كَلَّا الرَّدْعُ وَالزَّجْرُ وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْأَنْبَارِيِّ وَسَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ يَقُولُ: لَا يُوقَفُ عَلَى"كَلَّا"جَمِيعَ الْقُرْآنِ لِأَنَّهَا جَوَابٌ وَالْفَائِدَةُ تَقَعُ فِيمَا بَعْدَهَا. وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ هُوَ قَوْلُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ) أَيْ سَنَحْفَظُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ فَنُجَازِيهِ بِهِ فِي الْآخِرَةِ. (وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا) أَيْ سَنَزِيدُهُ عَذَابًا فَوْقَ عَذَابٍ. (وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ) 80 أَيْ نَسْلُبُهُ مَا أَعْطَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا مِنْ مَالٍ وَوَلَدٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: أَيْ نَرِثُهُ الْمَالَ وَالْوَلَدَ بَعْدَ إِهْلَاكِنَا إِيَّاهُ. وَقِيلَ: نَحْرِمُهُ مَا تَمَنَّاهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ مَالٍ وَوَلَدٍ وَنَجْعَلُهُ لِغَيْرِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. (وَيَأْتِينا فَرْدًا) 80 أَيْ مُنْفَرِدًا لَا مَالَ لَهُ وَلَا وَلَدَ ولا عشيرة تنصره.
[سورة مريم (19) : الآيات 81 الى 82]
وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (81) كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (82)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا) يَعْنِي مُشْرِكِي قُرَيْشٍ. وَ"عِزًّا"مَعْنَاهُ أَعْوَانًا وَمَنَعَةً يَعْنِي أَوْلَادًا. وَالْعِزُّ الْمَطَرُ الْجُودُ «1» أَيْضًا قَالَهُ الْهَرَوِيُّ. وَظَاهِرُ الْكَلَامِ أَنَّ"عِزًّا"رَاجِعٌ إِلَى الْآلِهَةِ الَّتِي عَبَدُوهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ. وَوَحَّدَ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ أَيْ لِيَنَالُوا بِهَا الْعِزَّ وَيَمْتَنِعُونَ بِهَا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (كَلَّا) أَيْ لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا ظَنُّوا وَتَوَهَّمُوا بَلْ يَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ أَيْ يُنْكِرُونَ أَنَّهُمْ عَبَدُوا الْأَصْنَامَ أَوْ تَجْحَدُ الْآلِهَةُ عِبَادَةَ الْمُشْرِكِينَ لَهَا كَمَا قَالَ «2» :"تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ" «3» [القصص: 63] وَذَلِكَ أَنَّ الْأَصْنَامَ جَمَادَاتٌ لَا تَعْلَمُ الْعِبَادَةَ"وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا"أَيْ أَعْوَانًا فِي خُصُومَتِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ عَنْ مُجَاهِدٍ وَالضَّحَّاكِ: يَكُونُونَ لَهُمْ أَعْدَاءً. ابْنُ زَيْدٍ: يَكُونُونَ عَلَيْهِمْ بَلَاءً فَتُحْشَرُ آلِهَتُهُمْ وَتُرَكَّبُ لَهُمْ عُقُولٌ فَتَنْطِقُ وَتَقُولُ: يَا رَبِّ عذب هؤلاء الذين عبدونا من دونك و"كلا"هُنَا يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى لَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى حَقًّا أَيْ حَقًّا"سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ"وقرا
(1) . المطر الجود: الغزير.
(2) . في ك: قالوا.
(3) . راجع ج 13 ص 303 فما بعد.