فهرس الكتاب

الصفحة 3023 من 7453

فِي جَعْلِهِ الطَّرِيقَ ظَرْفًا وَقَالَ: الطَّرِيقُ مَكَانٌ مَخْصُوصٌ كَالْبَيْتِ وَالْمَسْجِدِ، فَلَا يَجُوزُ حَذْفُ حَرْفِ الْجَرِّ مِنْهُ إِلَّا فِيمَا وَرَدَ فِيهِ الْحَذْفُ سَمَاعًا، كَمَا حَكَى سِيبَوَيْهِ: دَخَلْتُ الشَّامَ وَدَخَلْتُ الْبَيْتَ، وَكَمَا قِيلَ:

كَمَا عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ «1»

الْخَامِسَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَإِنْ تابُوا) أَيْ مِنَ الشِّرْكِ. (وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ) هَذِهِ الْآيَةُ فِيهَا تَأَمُّلٌ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَّقَ الْقَتْلَ عَلَى الشِّرْكِ، ثُمَّ قَالَ:"فَإِنْ تابُوا". وَالْأَصْلُ أَنَّ الْقَتْلَ مَتَى كَانَ الشرك يَزُولُ بِزَوَالِهِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي زَوَالَ الْقَتْلِ بِمُجَرَّدِ التَّوْبَةِ، مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَلِذَلِكَ سَقَطَ الْقَتْلُ بِمُجَرَّدِ التَّوْبَةِ قَبْلَ وَقْتِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ. وَهَذَا بَيِّنٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى، غَيْرَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ التَّوْبَةَ وَذَكَرَ مَعَهَا شَرْطَيْنِ آخَرَيْنِ، فَلَا سَبِيلَ إِلَى إِلْغَائِهِمَا. نَظِيرُهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماء هم وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ (. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَاللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: رَحِمَ اللَّهُ أَبَا بَكْرٍ مَا كَانَ أَفْقَهَهُ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: فَانْتَظَمَ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ وَاطَّرَدَا. وَلَا خِلَافَ بَيْنِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ وَسَائِرَ الْفَرَائِضِ مُسْتَحِلًّا كَفَرَ، وَمَنْ تَرَكَ السُّنَنَ مُتَهَاوِنًا فَسَقَ، وَمَنْ تَرَكَ النَّوَافِلَ لَمْ يَحْرَجْ، إِلَّا أَنْ يَجْحَدَ فَضْلَهَا فَيَكْفُرُ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ رَادًّا عَلَى الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَا جَاءَ بِهِ وَأَخْبَرَ عَنْهُ. وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ مِنْ غَيْرِ جَحْدٍ لَهَا وَلَا اسْتِحْلَالٍ، فَرَوَى يونس ابن عبد الا على قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ وَهْبٍ يَقُولُ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ وَأَبَى أَنْ يُصَلِّيَ قُتِلَ، وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَجَمِيعُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَهُوَ قَوْلُ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ وَمَكْحُولٍ وَوَكِيعٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُسْجَنُ وَيُضْرَبُ وَلَا يُقْتَلُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ وَبِهِ يقول داود ابن عَلِيٍّ. وَمِنْ حُجَّتِهِمْ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لا إله

(1) . القائل هو ساعدة بن جوية: وتمامه كما في اللسان وكتاب سيبويه:

لدن بهز الكف بعسل متنه ... فيه كما عسل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت