فهرس الكتاب

الصفحة 3912 من 7453

كَذَلِكَ كَانَ كَافِرًا، لِأَنَّ الْمَعَارِيضَ لَا سُلْطَانَ لِلْإِكْرَاهِ عَلَيْهَا. مِثَالُهُ- أَنْ يُقَالَ لَهُ: اكْفُرْ بِاللَّهِ فَيَقُولُ بِاللَّاهِي، فَيَزِيدُ الْيَاءَ. وَكَذَلِكَ إِذَا قِيلَ لَهُ: اكْفُرْ بِالنَّبِيِّ فَيَقُولُ هُوَ كَافِرٌ بِالنَّبِيِّ، مُشَدِّدًا وَهُوَ الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ مِنَ الْأَرْضِ «1» . وَيُطْلَقُ عَلَى مَا يُعْمَلُ مِنَ الْخُوصِ شَبْهَ الْمَائِدَةِ، فَيَقْصِدُ أَحَدَهُمَا بِقَلْبِهِ وَيَبْرَأُ مِنَ الْكُفْرِ وَيَبْرَأُ مِنْ إِثْمِهِ. فَإِنْ قِيلَ لَهُ: اكْفُرْ بالنبي (مهموزا) فيقول هو كافر بالنبي يريد بالمخبر، أي مخبر كان كطليحة «2» ومسلمة الكذاب. أو يريد به النبي الَّذِي قَالَ فِيهِ الشَّاعِرُ:

فَأَصْبَحَ رَتْمًا دِقَاقُ الْحَصَى ... مَكَانَ النَّبِيِّ مِنَ الْكَاثِبِ «3»

الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ- أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْكُفْرِ فَاخْتَارَ الْقَتْلَ أَنَّهُ أَعْظَمُ أَجْرًا عِنْدَ اللَّهِ مِمَّنِ اخْتَارَ الرُّخْصَةَ. وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ أُكْرِهَ عَلَى غَيْرِ الْقَتْلِ مِنْ فِعْلِ مَا لَا يَحِلُّ لَهُ، فَقَالَ أَصْحَابُ مَالِكٍ: الْأَخْذُ بِالشِّدَّةِ فِي ذَلِكَ وَاخْتِيَارُ الْقَتْلِ وَالضَّرْبِ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْأَخْذِ بِالرُّخْصَةِ، ذَكَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَسَحْنُونٌ. وَذَكَرَ ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ أَنَّهُ إِذَا تَهَدَّدَ بِقَتْلٍ أَوْ قَطْعٍ أَوْ ضَرْبٍ يَخَافُ مِنْهُ التَّلَفَ فَلَهُ أَنْ يَفْعَلَ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ مِنْ شُرْبِ خَمْرٍ أَوْ أَكْلِ خِنْزِيرٍ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى قُتِلَ خِفْنَا أَنْ يَكُونَ آثِمًا لِأَنَّهُ كَالْمُضْطَرِّ. وَرَوَى خَبَّابُ بْنُ الْأَرَتِّ قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُتَوَسِّدُ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ فَقُلْتُ: أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا أَلَا تَدْعُو لَنَا؟ فَقَالَ:"قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهَا فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ وَيُمَشَّطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرُ «4» حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ". فَوَصْفُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا عَنِ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ عَلَى جِهَةِ الْمَدْحِ لَهُمْ وَالصَّبْرِ عَلَى الْمَكْرُوهِ فِي ذَاتِ اللَّهِ، وَأَنَّهُمْ لَمْ يَكْفُرُوا فِي الظَّاهِرِ وَتَبَطَّنُوا الْإِيمَانَ لِيَدْفَعُوا الْعَذَابَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ. وهذه حجة من آثر الضرب

(1) . ومنه الحديث:"لا تصلوا على النبي"أي على الأرض المرتفعة المحدودبة.

(2) . هو طليحة ابن خويلد بن نوفل الأسدي، ارتد بعد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وادعى النبوة ثم أسلم. [ ]

(3) . الرتم (بالتاء والثاء) : الدق والكسر. ويريد بالنبي المكان المرتفع. والكائب: الرمل المجتمع.

(4) . يريد الإسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت