فهرس الكتاب

الصفحة 4456 من 7453

اخْتَلَفُوا، فَقَالَتْ فِرْقَةٌ: الْحَقُّ فِي طَرَفٍ وَاحِدٍ عند الله، وقد نَصَبَ عَلَى ذَلِكَ أَدِلَّةً، وَحَمَلَ الْمُجْتَهِدِينَ عَلَى الْبَحْثِ عَنْهَا، وَالنَّظَرِ فِيهَا، فَمَنْ صَادَفَ الْعَيْنَ الْمَطْلُوبَةَ فِي الْمَسْأَلَةِ فَهُوَ الْمُصِيبُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وله أجران أجر فِي الِاجْتِهَادِ وَأَجْرٌ فِي الْإِصَابَةِ، وَمَنْ لَمْ يُصَادِفْهَا فَهُوَ مُصِيبٌ فِي اجْتِهَادِهِ مُخْطِئٌ فِي أَنَّهُ لَمْ يُصِبِ الْعَيْنَ فَلَهُ أَجْرٌ وَهُوَ غَيْرُ مَعْذُورٍ. وَهَذَا سُلَيْمَانُ قَدْ صَادَفَ الْعَيْنَ الْمَطْلُوبَةَ، وَهِيَ الَّتِي فَهِمَ. وَرَأَتْ فِرْقَةٌ أَنَّ العالم المخطئ لا إثم فِي خَطَئِهِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَعْذُورٍ. وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: الْحَقُّ فِي طَرَفٍ وَاحِدٍ وَلَمْ يَنْصِبِ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ دَلَائِلَ «1» [بَلْ «2» ] وَكَّلَ الْأَمْرَ إِلَى نَظَرِ الْمُجْتَهِدِينَ فَمَنْ أَصَابَهُ أَصَابَ وَمَنْ أخطأ فهو معذور مأجور ولم يتعبد بإصابة الْعَيْنَ بَلْ تَعَبَّدَنَا بِالِاجْتِهَادِ فَقَطْ. وَقَالَ جُمْهُورُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَهُوَ الْمَحْفُوظُ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: إِنَّ الْحَقَّ فِي مَسَائِلِ الفروع في الطرفين، وكل مجتهد مصيب، المطلوب إِنَّمَا هُوَ الْأَفْضَلُ فِي ظَنِّهِ، وَكُلُّ مُجْتَهِدٍ قَدْ أَدَّاهُ نَظَرُهُ إِلَى الْأَفْضَلِ فِي ظَنِّهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذِهِ الْمَقَالَةِ أَنَّ الصَّحَابَةَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ قَرَّرَ بَعْضُهُمْ خِلَافَ بَعْضٍ، وَلَمْ يَرَ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنْ يَقَعَ الِانْحِمَالُ عَلَى قَوْلِهِ دُونَ قَوْلِ مُخَالِفِهِ. وَمِنْهُ رَدُّ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ لِلْمَنْصُورِ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ حَمْلِ النَّاسِ عَلَى"الْمُوَطَّأِ"، فَإِذَا قَالَ عَالِمٌ فِي أَمْرٍ حَلَالٌ فَذَلِكَ هُوَ الْحَقُّ فِيمَا يَخْتَصُّ بِذَلِكَ الْعَالِمِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَبِكُلِّ مَنْ أَخَذَ بِقَوْلِهِ، وَكَذَا فِي الْعَكْسِ. قَالُوا: وَإِنْ كَانَ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَهِمَ الْقَضِيَّةَ الْمُثْلَى وَالَّتِي أَرْجَحُ فَالْأُولَى لَيْسَتْ بِخَطَأٍ، وَعَلَى هَذَا يَحْمِلُونَ قَوْلَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (إِذَا اجْتَهَدَ الْعَالِمُ فَأَخْطَأَ) أَيْ فَأَخْطَأَ الْأَفْضَلَ. الثَّامِنَةُ- رَوَى مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ) هَكَذَا لَفْظُ الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ مُسْلِمٍ (إِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ) فَبَدَأَ بِالْحُكْمِ قَبْلَ الِاجْتِهَادِ، وَالْأَمْرُ بِالْعَكْسِ، فَإِنَّ الِاجْتِهَادَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْحُكْمِ، فَلَا يَجُوزُ الْحُكْمُ قَبْلَ الِاجْتِهَادِ بِالْإِجْمَاعِ. وَإِنَّمَا مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ: إِذَا أَرَادَ أَنْ يَحْكُمَ، كَمَا قال:"فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ" «3» [النحل: 98] فعند

(1) . في ج وز: دليلا بل.

(2) . في ج وز: دليلا بل.

(3) . راجع ج 10 ص 174.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت