فهرس الكتاب

الصفحة 479 من 7453

السَّلَامُ، فَسَمِعُوا كَلَامَ اللَّهِ فَلَمْ يَمْتَثِلُوا أَمْرَهُ، وَحَرَّفُوا الْقَوْلَ فِي إِخْبَارِهِمْ لِقَوْمِهِمْ. هَذَا قَوْلُ الرَّبِيعِ وَابْنِ إِسْحَاقَ، وَفِي هَذَا الْقَوْلِ ضَعْفٌ. وَمَنْ قَالَ: إِنَّ السَّبْعِينَ سَمِعُوا مَا سَمِعَ مُوسَى فَقَدْ أَخْطَأَ، وَأَذْهَبَ بِفَضِيلَةِ مُوسَى وَاخْتِصَاصِهِ بِالتَّكْلِيمِ. وَقَدْ قَالَ السُّدِّيُّ وَغَيْرُهُ: لَمْ يُطِيقُوا سَمَاعَهُ، وَاخْتَلَطَتْ أَذْهَانُهُمْ وَرَغِبُوا أَنْ يَكُونَ مُوسَى يَسْمَعُ وَيُعِيدُهُ لَهُمْ، فَلَمَّا فَرَغُوا وَخَرَجُوا بَدَّلَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَا سَمِعَتْ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِمْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:"وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ" «1» . فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رَوَى الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ قَوْمَ مُوسَى سَأَلُوا مُوسَى أَنْ يَسْأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُسْمِعَهُمْ كَلَامَهُ، فَسَمِعُوا صَوْتًا كَصَوْتِ الشَّبُّورِ: «2» "إِنِّي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا الْحَيُّ الْقَيُّومُ أَخْرَجْتُكُمْ مِنْ مِصْرَ بِيَدٍ رَفِيعَةٍ وَذِرَاعٍ شَدِيدَةٍ". قُلْتُ: هَذَا حَدِيثٌ بَاطِلٌ لَا يَصِحُّ، رَوَاهُ ابْنُ مَرْوَانَ عَنِ الْكَلْبِيِّ وَكِلَاهُمَا ضَعِيفٌ لَا يُحْتَجُّ بِهِ، وإنما الكلام شي خُصَّ بِهِ مُوسَى مِنْ بَيْنِ جَمِيعِ وَلَدِ آدَمَ، فَإِنْ كَانَ كَلَّمَ قَوْمَهُ أَيْضًا حَتَّى أَسْمَعَهُمْ كَلَامَهُ فَمَا فَضْلُ مُوسَى عَلَيْهِمْ، وَقَدْ قَالَ وَقَوْلُهُ الْحَقُّ:"إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي" «3» . وَهَذَا وَاضِحٌ. الثَّالِثَةُ- وَاخْتَلَفَ النَّاسُ بماذا عَرَفَ مُوسَى كَلَامَ اللَّهِ وَلَمْ يَكُنْ سَمِعَ قَبْلَ ذَلِكَ خِطَابَهُ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ سَمِعَ كَلَامًا لَيْسَ بِحُرُوفٍ وَأَصْوَاتٍ، وَلَيْسَ فِيهِ تَقْطِيعٌ وَلَا نَفَسٌ، فَحِينَئِذٍ عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ هُوَ كَلَامَ الْبَشَرِ وَإِنَّمَا هُوَ كَلَامُ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّهُ لَمَّا سَمِعَ كَلَامًا لَا مِنْ جِهَةٍ، وَكَلَامُ الْبَشَرِ يُسْمَعُ مِنْ جِهَةٍ مِنَ الْجِهَاتِ السِّتِّ، عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ كَلَامِ الْبَشَرِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ صَارَ جَسَدُهُ كُلُّهُ مَسَامِعَ حَتَّى سَمِعَ بِهَا ذَلِكَ الْكَلَامَ، فَعَلِمَ أَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ. وَقِيلَ فِيهِ: إِنَّ الْمُعْجِزَةَ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ مَا سَمِعَهُ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: أَلْقِ عَصَاكَ، فَأَلْقَاهَا فَصَارَتْ ثُعْبَانًا، فَكَانَ ذَلِكَ عَلَامَةً عَلَى صِدْقِ الْحَالِ، وَأَنَّ الَّذِي يَقُولُ له:"إِنِّي أَنَا رَبُّكَ" «4» هو الله عز وجل. وَقِيلَ: إِنَّهُ قَدْ كَانَ أَضْمَرَ فِي نَفْسِهِ شيئا لا يقف عليه

(1) . راجع ج 8 ص 75.

(2) . الشبور (على وزن التنور) : البوق.

(3) . راجع ج 7 ص 280.

(4) . راجع ج 11 ص 172.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت