وَفِي كِتَابِ الشِّهَابِ:"اتَّقُوا دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهَا تُحْمَلُ عَلَى الْغَمَامِ فَيَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ"وَهُوَ صَحِيحٌ أَيْضًا. وَخَرَّجَ الْآجُرِّيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"فَإِنِّي لَا أَرُدُّهَا وَلَوْ كَانَتْ مِنْ فَمِ كَافِرٍ"فَيُجِيبُ الْمَظْلُومَ لِمَوْضِعِ إِخْلَاصِهِ بِضَرُورَتِهِ بِمُقْتَضَى كرمه، وإجابة لا خلاصه وَإِنْ كَانَ كَافِرًا، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ فَاجِرًا فِي دِينِهِ، فَفُجُورُ الْفَاجِرِ وَكُفْرُ الْكَافِرِ لَا يَعُودُ مِنْهُ نَقْصٌ وَلَا وَهَنٌ عَلَى مَمْلَكَةِ سَيِّدِهِ، فَلَا يَمْنَعُهُ مَا قَضَى لِلْمُضْطَرِّ مِنْ إِجَابَتِهِ. وَفَسَّرَ إِجَابَةَ دَعْوَةِ الْمَظْلُومِ بِالنُّصْرَةِ عَلَى ظَالِمِهِ بِمَا شَاءَ سُبْحَانَهُ مِنْ قَهْرٍ لَهُ، أَوِ اقْتِصَاصٍ مِنْهُ، أَوْ تَسْلِيطِ ظَالِمٍ آخَرَ عَلَيْهِ يَقْهَرُهُ كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ:"وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا"
"وَأَكَّدَ سُرْعَةَ إِجَابَتِهَا بقول:"تُحْمَلُ عَلَى الْغَمَامِ"وَمَعْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُوَكِّلُ مَلَائِكَتَهُ بِتَلَقِّي دَعْوَةِ الْمَظْلُومِ وَبِحَمْلِهَا عَلَى الْغَمَامِ، فَيَعْرُجُوا بِهَا إِلَى السَّمَاءِ، وَالسَّمَاءُ قِبْلَةُ الدُّعَاءِ لِيَرَاهَا الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ، فَيَظْهَرُ مِنْهُ مُعَاوَنَةُ الْمَظْلُومِ، وَشَفَاعَةً مِنْهُمْ لَهُ فِي إِجَابَةِ دَعَوْتِهِ، رَحْمَةً لَهُ. وَفِي هَذَا تَحْذِيرٌ مِنَ الظُّلْمِ جُمْلَةً، لِمَا فِيهِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ وَمَعْصِيَتِهِ وَمُخَالَفَةِ أَمْرِهِ، حَيْثُ قَالَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ:"يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا"الْحَدِيثَ. فَالْمَظْلُومُ مُضْطَرٌّ، وَيَقْرُبُ مِنْهُ الْمُسَافِرُ، لِأَنَّهُ مُنْقَطِعٌ عَنِ الْأَهْلِ وَالْوَطَنِ مُنْفَرِدٌ عَنِ الصَّدِيقِ وَالْحَمِيمِ، لَا يَسْكُنُ قَلْبُهُ إِلَى مُسْعِدٍ وَلَا مُعِينٍ لِغُرْبَتِهِ. فَتَصْدُقُ ضَرُورَتُهُ إِلَى الْمَوْلَى، فَيُخْلِصُ إِلَيْهِ فِي اللجإ، وَهُوَ الْمُجِيبُ لِلْمُضْطَرِّ إِذَا دَعَاهُ، وَكَذَلِكَ دَعْوَةُ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ، لَا تَصْدُرُ مِنْهُ مَعَ مَا يُعْلَمُ مِنْ حَنَّتِهِ عَلَيْهِ وَشَفَقَتِهِ، إِلَّا عِنْدَ تَكَامُلِ عَجْزِهِ عَنْهُ، وَصِدْقِ ضَرُورَتِهِ، وَإِيَاسِهِ عَنْ بِرِّ وَلَدِهِ، مَعَ وُجُودِ أَذِيَّتِهِ، فَيُسْرِعُ الْحَقُّ إِلَى إِجَابَتِهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى (وَيَكْشِفُ السُّوءَ) أَيِ الضُّرَّ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: الْجَوْرُ. (وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ) أَيْ سُكَّانَهَا يُهْلِكُ قَوْمًا وَيُنْشِئُ آخَرِينَ. وَفِي كِتَابِ النَّقَّاشِ: أَيْ وَيَجْعَلُ أَوْلَادَكُمْ خَلَفًا مِنْكُمْ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: خَلَفًا مِنَ الْكُفَّارِ يَنْزِلُونَ أَرْضَهُمْ، وَطَاعَةَ اللَّهِ بَعْدَ كُفْرِهِمْ. (أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ) عَلَى جِهَةِ التَّوْبِيخِ، كَأَنَّهُ قَالَ أَمَعَ اللَّهِ وَيْلَكُمْ إِلَهٌ، فَ"إِلهٌ"مَرْفُوعٌ بِ"مَعَ"."