فهرس الكتاب

الصفحة 542 من 7453

قَادَهُمْ إِلَى ذَلِكَ مَذْهَبُهُمْ فِي أَنَّ الْأَوَامِرَ مُرَادَةٌ، وَأَنَّ الْحُسْنَ صِفَةٌ نَفْسِيَّةٌ لِلْحَسَنِ، وَمُرَادُ اللَّهِ حَسَنٌ، وَهَذَا قَدْ أَبْطَلَهُ عُلَمَاؤُنَا فِي كُتُبِهِمْ. الثَّامِنَةُ- اخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِي الْأَخْبَارِ هَلْ يَدْخُلُهَا النَّسْخُ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ النَّسْخَ إِنَّمَا هُوَ مُخْتَصٌّ بِالْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، وَالْخَبَرُ لَا يَدْخُلُهُ النَّسْخُ لِاسْتِحَالَةِ الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَقِيلَ: إِنَّ الْخَبَرَ إِذَا تَضَمَّنَ حُكْمًا شَرْعِيًّا جَازَ نَسْخُهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:"وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا". وَهُنَاكَ «1» يَأْتِي الْقَوْلُ فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. التَّاسِعَةُ- التَّخْصِيصُ مِنَ الْعُمُومِ يُوهِمُ أَنَّهُ نُسِخَ وَلَيْسَ بِهِ، لِأَنَّ الْمُخَصَّصَ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْعُمُومُ قَطُّ، وَلَوْ ثَبَتَ تَنَاوُلُ الْعُمُومِ لِشَيْءٍ مَا ثُمَّ أُخْرِجَ ذَلِكَ الشَّيْءُ عَنِ الْعُمُومِ لَكَانَ نَسْخًا لَا تَخْصِيصًا، وَالْمُتَقَدِّمُونَ يُطْلِقُونَ عَلَى التَّخْصِيصِ نَسْخًا تَوَسُّعًا وَمَجَازًا. الْعَاشِرَةُ- اعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ يَرِدُ فِي الشَّرْعِ أَخْبَارٌ ظَاهِرُهَا الْإِطْلَاقُ وَالِاسْتِغْرَاقُ، وَيُرَدُ تَقْيِيدُهَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فَيَرْتَفِعُ ذَلِكَ الْإِطْلَاقُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:"وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ «2» ". فَهَذَا الْحُكْمُ ظَاهِرُهُ خَبَرٌ عَنْ إِجَابَةِ كُلِّ دَاعٍ عَلَى كُلِّ حَالٍ، لَكِنْ قَدْ جَاءَ مَا قَيَّدَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، كَقَوْلِهِ"فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ «3» ". فَقَدْ يَظُنُّ مَنْ لَا بَصِيرَةَ عِنْدَهُ أَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ النَّسْخِ فِي الْأَخْبَارِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ مِنْ بَابِ الْإِطْلَاقِ وَالتَّقْيِيدِ. وَسَيَأْتِي لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ زِيَادَةُ بَيَانٍ فِي مَوْضِعِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ- قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى: جَائِزٌ نَسْخُ الْأَثْقَلِ إِلَى الْأَخَفِّ، كَنَسْخِ الثُّبُوتِ لِعَشَرَةٍ بِالثُّبُوتِ لِاثْنَيْنِ «4» . وَيَجُوزُ نَسْخُ الْأَخَفِّ إِلَى الْأَثْقَلِ، كَنَسْخِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ وَالْأَيَّامِ الْمَعْدُودَةِ بِرَمَضَانَ، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي آيَةِ الصِّيَامِ «5» . وَيُنْسَخُ الْمِثْلِ بِمِثْلِهِ ثِقَلًا وَخِفَّةً، كَالْقِبْلَةِ. وَيُنْسَخُ الشَّيْءُ لَا إِلَى بَدَلٍ كَصَدَقَةِ النَّجْوَى. وَيُنْسَخُ الْقُرْآنُ بِالْقُرْآنِ. وَالسُّنَّةُ بِالْعِبَارَةِ، وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ يُرَادُ بِهَا الْخَبَرُ الْمُتَوَاتِرُ الْقَطْعِيُّ. وَيُنْسَخُ خَبَرُ الْوَاحِدِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ. وَحُذَّاقُ الْأَئِمَّةِ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ يُنْسَخُ بِالسُّنَّةِ، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ) . وَهُوَ ظَاهِرُ مَسَائِلِ مَالِكٍ. وَأَبَى ذَلِكَ الشافعي وأبو الفرج المالكي،

(1) . راجع ج 10 ص 127.

(2) . ص 308 من هذا الجزء.

(3) . ج 6 ص 423.

(4) . وهو أن الله تعالى نسخ وقوف الواحد للعشرة في الجهاد بثبوته لاثنين.

(5) . ص 275 من هذا الجزء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت