فهرس الكتاب

الصفحة 6750 من 7453

قُلْتُ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ فَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ: أَنَّ لَهَا السُّكْنَى وَلَا نَفَقَةَ لَهَا. وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ: أَنَّ لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةَ. وَمَذْهَبُ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ: أَنْ لَا نَفَقَةَ لَهَا وَلَا سُكْنَى، عَلَى حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، قَالَتْ: دَخَلْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعِي أَخُو زَوْجِي فَقُلْتُ: إِنَّ زَوْجِي طَلَّقَنِي وَإِنَّ هَذَا يَزْعُمُ أَنْ لَيْسَ لِي سُكْنَى وَلَا نَفَقَةَ؟ قَالَ: (بَلْ لَكِ السُّكْنَى وَلَكِ النَّفَقَةُ) . قَالَ: إِنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّمَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ عَلَى مَنْ لَهُ عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ) . فَلَمَّا قَدِمْتُ الْكُوفَةَ طَلَبَنِي الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ لِيَسْأَلَنِي عَنْ ذَلِكَ، وَإِنَّ أَصْحَابَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُونَ: إِنَّ لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةَ. خَرَّجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. وَلَفْظُ مُسْلِمٍ عَنْهَا: أَنَّهُ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ أَنْفَقَ عَلَيْهَا نَفَقَةَ دُونٍ، فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ قَالَتْ: وَاللَّهِ لَأُعْلِمَنَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنْ كَانَ لِي نَفَقَةٌ أَخَذْتُ الَّذِي يُصْلِحُنِي وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لِي نَفَقَةٌ لَمْ آخُذْ شَيْئًا. قَالَتْ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: (لَا نَفَقَةَ لَكِ وَلَا سُكْنَى) . وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنِ الْأَسْوَدِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ لَمَّا بَلَغَهُ قَوْلُ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: لَا نُجِيزُ فِي الْمُسْلِمِينَ قَوْلَ امْرَأَةٍ. وَكَانَ يَجْعَلُ لِلْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةَ. وَعَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: لَقِيَنِي الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ فَقَالَ. يَا شَعْبِيُّ، اتَّقِ اللَّهَ وَارْجِعْ عَنْ حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، فَإِنَّ عُمَرَ كَانَ يَجْعَلُ لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةَ. قلت: لا أرجع عن شي حَدَّثَتْنِي بِهِ «1» فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قُلْتُ: مَا أَحْسَنَ هَذَا. وَقَدْ قَالَ قَتَادَةُ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى: لَا سُكْنَى إِلَّا لِلرَّجْعِيَّةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْرًا [الطلاق: 1] ، وَقَوْلَهُ تَعَالَى: أَسْكِنُوهُنَّ رَاجِعٌ إِلَى مَا قَبْلَهُ، وَهِيَ الْمُطَلَّقَةُ الرَّجْعِيَّةُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلِأَنَّ السُّكْنَى تَابِعَةٌ لِلنَّفَقَةِ وَجَارِيَةٌ مَجْرَاهَا، فَلَمَّا لَمْ تَجِبْ لِلْمَبْتُوتَةِ نَفَقَةٌ لَمْ يَجِبْ لَهَا سُكْنَى. وَحُجَّةُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ لِلْمَبْتُوتَةِ النَّفَقَةُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَتَرْكُ النَّفَقَةِ مِنْ أَكْبَرِ الْأَضْرَارِ. وَفِي إِنْكَارِ عُمَرَ عَلَى فَاطِمَةَ

(1) . زيادة عن سنن الدارقطني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت