الوجه الأول: أنه لا مانع من أن يكون الإذن مشترطًا عند وجود الإمام غير مشترط عند عدمه لما في العمل بلا إذنه وقت وجوده من الافتئات، ولهذا لا يشترط إذن الإمام في شيء من صور الجهاد إذا لم يوجد أو لم يمكن استئذانه، ويُشترط إذنه إن وجد في بعض الصور.
والوجه الثاني: أنَّ هذا مبني على اشتراط إذن الإمام، فلا يدخل فيه ما إذا منع الإمام، وهما مسألتان مُتغايرتان كما قدَّمنا.
واستدلَّ بعض من لم يحقق المسألة بمثل عبارة الموفق في المغني على القول المنُكَرِ بوجوب استئذان الإمام في الجهاد المتعيِّن، ونص عبارة ابن قدامة:"ولأنهم إذا جاء العدو صار الجهاد عليهم فرض عين فوجب على الجميع فلم يجز لأحد التخلف عنه، فإذا ثبت هذا فإنهم لا يخرجون إلا بإذن الأمير لأن أمر الحرب موكول إليه وهو أعلم بكثرة العدو وقلتهم، ومكامن العدو وكيدهم فينبغي أن يرجع إلى رأيه لأنه أحوط للمسلمين".
ولعدد من الفقهاء مثل هذه العبارة، والاستناد عليها في هذه المسألة غلطٌ فاحشٌ، فهي في استئذانه في تفاصيل الجهاد المتعيِّن لا في أصله، وفرقٌ بين مسألة الخروج إلى العدو وتوقيت ذلك، وأصل قتال العدوِّ، فليس في عبارة الموفق ولا غيره من أهل العلم أنَّ الإمام إن منعَ من أصل دفع العدو وتركه يدخل بلاد المسلمين يعيث فيها فسادًا أنَّ طاعته في ترك هذا الفرض واجبةٌ، وأنَّ مقاتلة العدو دفعًا له عن حرمات المسلمين محرمة.
والذي يقول إنَّ الإمام لا يُستأذن في الجهاد المتعيِّن لا يعني بقوله أنَّ الإمام لا إمارة له في جهاد الدفع بل إمارته باقية وطاعته فيها واجبة ما دام ملتزمًا دفع العدو عن المسلمين، ومما تجب طاعته فيه جهاد الدفع فيما يدخله الاجتهاد ويرجع إلى أمر الحرب وسياستها، فله أن يأمر بالخروج إلى العدو، وأن