فهرس الكتاب
الثاني: أما قول الله تعالى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} (1) ، فستأتي أقوال السلف فيها في الفقرة (1.) .
الثالث: وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لاتتمنوا لقاء العدو» فقد رواه البخاري عن عبد الله بن أبي أوفى «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أيامه التي لقي فيها، انتظر حتى مالت الشمس، ثم قام في الناس خطيبا فقال: أيها الناس لاتتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف، ثم قال: اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم» (2) . قلت: واضح من نص الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في إحدى غزواته لقوله: (في بعض أيامه التي لقي فيها) أي العدو كما رواه مسلم، وقوله: «فإذا لقيتموهم فاصبروا» وقوله: «اهزمهم وانصرنا عليهم» ، فكيف يستدل بهذا الحديث على ترك الجهاد وهو إنما قاله صلى الله عليه وسلم في أثناء الغزو؟ ثم إن الحديث مشتمل على الحض على القتال والالتحام بالعدو، وذلك في قوله: «واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف» ومعلوم أن المقاتل لا يكون تحت ظلال السيوف إلا عند الالتحام بعدوه حيث يعلو كل منهما صاحبه بسيفه (3) . فكونه صلى الله عليه وسلم قال هذا الحديث أثناء توجهه للقتال، وكونه حض على القتال في نفس الحديث، يدل على أن النهي عن تمني العدو ليس على إطلاقه وإنما هو من جهة خاصة، وهي التحذير من العُجْب والوثوق بالقوة، وما أشار إليه ابن حجر في شرحه لهذا الحديث قال: [إنما نهى عن تمني لقاء العدو لما فيه صورة الإعجاب والإتكال على النفوس والوثوق بالقوة وقلة الاهتمام بالعدو، وكل ذلك يباين الاحتياط والأخذ بالحزم. وقيل: يحمل النهي على ما إذا وقع الشك في المصلحة أو حصول الضرر، وإلا فالقتال فضيلة وطاعة] (4) ، وقال