فهرس الكتاب

الصفحة 102 من 209

والإسلام إذ يدعو إلى السلم -السلام- فإنما يدعو إليه من منظوره الخاص {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107] ، {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [البقرة:257] .

وإذا كان الجهاد غير ممكن في حالةٍ ما، بسبب العجز، فيجب الإعداد حينئذٍ.

• والتدريب العسكري من أهم أركان الإعداد، وهو واجب على كل مسلم:

ودليل وجوبه بعد قوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ} [الأنفال:60] ، كونُ الجهاد واجبًا، وحيث لا يمكن الجهاد بدون استعداد وتدريب فصار من باب مقدمة الواجب: مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (28/ 259) :"وكما يجب الاستعداد للجهاد بإعداد القوة ورباط الخيل في وقت سقوطه للعجز، فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب".

وقال الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم (13/ 12) في باب بيان سن البلوغ:"وهو السن الذي يجعل صاحبه من المقاتلين، ويجري عليه حكم الرجال في أحكام القتال وغير ذلك". ثم قال:"هذا دليل لتحديد البلوغ بخمس عشرة سنة، وهو مذهب الشافعي والأوزاعي وابن وهب وأحمد وغيرهم"اهـ. فهذا هو السن الذي يجب عنده التدريب العسكري على المسلم، ولا يعني هذا أن يبتدأ التدريب بالبلوغ، بل نتحدث عن الوجوب، وإلا فيمكن قياسه على الصلاة حيث أنها وإن كانت تجب بالبلوغ إلا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حضَّ على تعليم الأولاد الصلاة لسبع سنين وضربهم عليها لعشر سنين، قال - صلى الله عليه وسلم: «مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا، وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ» رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني.

ومما يدل على هذا أن الصحابة كانوا يجيدون القتال قبل البلوغ ويتسابقون إلى النفير قبله كذلك، وقد ذكر ابن عبد البر في مختصر السيرة:"أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أجاز يومئذٍ -في غزوة أحد- سمرة بن جندب الفزاري ورافع بن خديج ولكل واحدٍ منهما خمس عشرة سنة، وكان رافع راميًا"، وهذا دليل على أنه تعلم الرماية قبل سن الخامسة عشر، ثم قال ابن عبدالبر:"وردَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذٍ عبد الله بن عمر وزيد بن ثابت وأسامة بن زيد والبراء بن عازب وأسيد بن ظهير وعرابة بن أوس بن أرقم وأبا سعيد الخدري، ثم أجازهم كلهم عليه السلام يوم الخندق، أي بعد ذلك بعام"، إلى قوله:"وإنما ردَّ من لم يبلغ خمس عشرة سنة وأجاز من بلغها" [1] اهـ.

والشاهد أن نفير هؤلاء الصحابة الكرام قبل بلوغ 15 سنة رغم رد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهم، دليل على أنهم متدربون حينها، حيث أن تعليل العلماء لسبب الرد هو العمر، وليس عدم التدرب، والله أعلم.

(1) كتاب الدرر في اختصار المغازي والسير للإمام ابن عبدالبر (ط دار المعارف 147) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت