فهرس الكتاب

الصفحة 115 من 209

معالم الخير بحيث يكون ذلك راجحًا على هجرته وفراره بدينه، فإنه يجب عليه ترك الهجرة، رعاية لهذه المصلحة الراجحة، لأن هذه المصلحة الخاصة له بالهجرة على الخصوص تصير مفسدة بالنسبة إلى المصلحة المرجوة بتركه للهجرة"اهـ."

قال شيخ الإسلام:"وجماع ذلك داخل في القاعدة العامة فيما إذا تعارضت المصالح والمفاسد، والحسنات والسيئات، فإنه يجب ترجيح الراجح منها فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد وتعارضت المصالح والمفاسد، فإن الأمر والنهي وإن كان متضمنًا لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة، فينظر في المعارض له: فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر لم يكن مأمورًا به، بل يكون محرمًا إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته، لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة" [1] اهـ.

2 -الهجرة فرارًا بالدين إلى أي أرض:

قال تعالى: {يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ} [العنكبوت:56] . قال ابن كثير في التفسير (6/ 290) :"قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «الْبِلادُ بِلادُ اللهِ، وَالْعِبَادُ عِبَادُ اللهِ، فَحَيْثُمَا أَصَبْتَ خَيْرًا فَأَقِمْ» [2] . ولهذا لما ضاقت على المستضعفين بمكة مقامهم بها خرجوا مهاجرين إلى أرض الحبشة ليأمنوا على دينهم هناك فوجدوا خير المنزلين هناك أصحمة النجاشي ملك الحبشة رحمه الله تعالى، فآواهم وأيدهم بنصره وجعلهم سيومًا ببلاده"اهـ.

وقال تعالى: {قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر:10] . فربط الله سبحانه بين الأمر بالتقوى وبين كون أرض الله واسعة، فإن تعرض الشخص لشيء يحول بينه وبين التقوى فعليه أن يهاجر إلى أرض أخرى يتحقق فيها التقوى على الوجه الأفضل. قال عطاء:"إذا دعيتم إلى معصية فاهربوا"اهـ.

3 -الهجرة من أرض المعصية إلى أرض الطاعة:

وتدل على هذه الهجرة الآيات المذكورة في الفقرة السابقة. قال تعالى: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ} [العنكبوت:56] . قال سعيد بن جبير:"إذا عمل في الأرض بالمعاصي فاخرجوا منها فإن أرضي واسعة". وقال عطاء:"إذا أمرتم بالمعاصي فاهربوا". وكذلك الآية الأخرى: {قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر:10] .

ويستدل كذلك بحديث الرجل الذي قتل تسعةً وتسعين نفسًا، ثم قتل راهبًا فأكمل به المائة؛ حيث روى الإمام مسلم وغيره عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّهُ

(1) مجموع الفتاوى (28/ 129) .

(2) رواه أحمد والطبراني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت