قال - صلى الله عليه وسلم: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا» متفق عليه. وهذا الحديث يقصد به أن الأرض إذا فتحت لا يشرع الهجرة منها لأنها بفتحها صارت دار إسلام، وسبب ورود هذا الحديث هو أنه بعد فتح مكة أراد بعض مسلمة الفتح أن يهاجروا إلى المدينة فقال - صلى الله عليه وسلم: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ ... » الحديث.
كما يدل الحديث أصالةً: على أن الهجرة المفضلة والمميزة عن سواها والخاصة بهجرة المسلمين من مكة إلى المدينة قد انقطعت ومضت لأصحابها الذين هاجروا قبل فتح مكة. والأقرب إلى المعنى الثاني ما ذكر في الحديث المتفق عليه: عن مجاشع بن مسعود قال: جئت بأخي أبي معبد إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد الفتح فقلت يا رسول الله بايعه على الهجرة، قال: «مَضَتِ الْهِجْرَةُ بِأَهْلِهَا» ولفظ البخاري: «لِأَهْلِهَا» قلت: فبأي شيء تبايعه؟ قال: «عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْجِهَادِ وَالْخَيْرِ» .
قال النووي في شرحه على مسلم (13/ 8) :"قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام باقية إلى يوم القيامة، وتأولوا هذا الحديث تأويلين: أحدهما: لا هجرة بعد الفتح من مكة لأنها صارت دار إسلام. والثاني: وهو الأصح أن معناه أن الهجرة الفاضلة المهمة المطلوبة التي يمتاز بها أهلها امتيازًا ظاهرًا انقطعت بفتح مكة، ومضت لأهلها الذين هاجروا قبل فتح مكة"اهـ.
قال ابن حجر في فتح الباري (6/ 39) :"المعنى أن الهجرة التي هي مفارقة الوطن التي كانت مطلوبة على الأعيان إلى المدينة انقطعت، إلا أن المفارقة بسبب الجهاد باقية، وكذلك المفارقة بسبب نية صالحة؛ كالفرار من دار الكفر والخروج في طلب العلم، والفرار بالدين من الفتن والنية في جميع ذلك .. قال ابن العربي: الهجرة هي الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام، وكانت فرضًا في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - واستمرت بعده لمن خاف على نفسه. والتي انقطعت أصلًا هي القصد إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث كان ..."اهـ.
قال شيخ الإسلام -بعد أن ذكر قوله - صلى الله عليه وسلم: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ» ، وقوله: «لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا جُوهِدَ الْعَدُوُّ» :"كلاهما حق، فالأول أراد به الهجرة المعهودة في زمانه؛ وهي الهجرة إلى المدينة من مكة وغيرها من أرض العرب، فإن هذه الهجرة كانت مشروعة لما كانت مكة وغيرها دار كفر وحرب، وكان الإيمان بالمدينة، فكانت الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام واجبة لمن قدر عليها، فلما فتحت مكة وصارت دار إسلام ودخلت العرب في الإسلام صارت هذه الأرض كلها دار إسلام فقال: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ» . فهجرة الإنسان من مكان الكفر والمعاصي إلى مكان الإيمان والطاعة كتوبته وانتقاله من الكفر والمعصية إلى الإيمان والطاعة، وهذا أمرٌ باقٍ إلى يوم القيامة، والله تعالى يقول: {وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ} . قالت طائفة من السلف: هذا يدخل فيه من آمن وهاجر وجاهد إلى يوم القيامة" [1] اهـ.
(1) مجموع الفتاوى (18/ 281) .