فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 209

لقد كان الارتباط وثيقًا في حس ذلك الجيل بين حقيقة الإيمان وبين القيم الخلقية التي يشتمل عليها هذا الدين، ولم يكن ذلك اجتهادًا خاصًا بهم فتجد الأجيال التالية نفسها معفاة منه، ولا كان ذلك -من حيث المبدأ- امتيازًا خاصًا بهم تنسلخ منه الأجيال التالية بلا تحرج!

لم يكن في حسهم ولا في حقيقة الواقع أن الإنسان يمكن أن يكون مؤمنًا دون أن يعمل بأعمال هذا الدين، إنما كان في حسهم -كما هو في الواقع- أن الناس يتفاوتون في حقيقة إيمانهم بمقدار ما يتفاوتون في العمل بمقتضى هذا الدين، وكان امتيازهم الذي اختصوا به أنهم أرادوا أن يعملوا من أعمال هذا الدين ما وسعهم العمل وأن يطبقوا من أخلاقيات هذا الدين ما وسعهم التطبيق تنفيذًا لأمر الله {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن:16] ، فلم يكتفوا بالحد الأدنى المفروض إنما تطوعوا فعملوا بالنوافل والمندوبات وألزموا بها أنفسهم كأنها واجبات أو مفروضات. أما المبدأ؛ مبدأ اقتران الإيمان بالعمل ومبدأ التعامل بأخلاقيات لا إله إلا الله في عالم الواقع فقد كان في حسهم بديهية مسلَّمة لأنه بالفعل من بديهيات هذا الدين.

• خامسًا: الوفاء بالمواثيق:

قال تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمْ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} [النحل:91] .

وقد أراد الله أن تكون هذه سمة من سمات هذه الأمة راسخة في كيانها بعد أن أخبر عن أهل الكتاب أنهم يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلًا، وبعد أن أخرج هذه الأمة لتكون هي القائدة والرائدة والشاهدة على كل الأمم يوم القيامة.

ولقد وفَّت هذه الأمة بعهدها بالفعل وصار الوفاء بالمواثيق خلقًا لها تتميز به في وسط الجاهلية المحيطة بشعوب الأرض.

وكان الجيل الأول كما عهدناه أشد الأجيال تمسكًا بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - بعد أن رباه الرسول - صلى الله عليه وسلم - على هدي القرآن الكريم.

إن العهد الذي يبرمه المسلم هو عهد معقود باسم الله .. إنه جزء من"الميثاق"الذي يلتزم به المؤمن تجاه ربه .. إنه ليس أمرًا تتدخل فيه"المصلحة"القريبة أو البعيدة، الظاهرة أو الخفية، فيلتزم إذا بدت المصلحة في التزامه وينقض إذا بدت المصلحة في غيره! إن هذا هو ديدن الجاهليات فيما تبرمه من المواثيق .. تبرمه وهي لا تعتزم الوفاء به إلا ريثما تجد الوسيلة لنقضه. وفي اللحظة التي تبدو لها المصلحة في نقضه فإنه حبر على ورق ولا أكثر! (وجاهلية القرن العشرين أبرز مثال على ذلك في مواثيقها الدولية .. ما أسهل ما تبرم الميثاق وما أسهل ما تنقضه في لحظات!) أما المؤمنون الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق فهم وحدهم الذين لا تحركهم المصلحة إنما يحركهم الحرص على مرضاة الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت