فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 209

أمر ثالث يتعلق بالأخلاق كذلك وله كذلك أهميته الخاصة بالنسبة للجاهلية المعاصرة؛ وهو أن هذه (الأمانات) التي هي الفحوى الحقيقية للأخلاق ليست خاصة ببعض أنواع التعامل دون بعض، بل شاملة لكل أنواع التعامل ومن ثم لا يخرج عن نطاقها شيء البتة من أعمال الإنسان الإرادية الاختيارية ولا يقال عن شيء من هذه الأعمال كلها إنه خارج عن نطاق الأخلاق؛ لا السياسة ولا الاقتصاد ولا الاجتماع ولا الفن ولا الفكر ولا ساعة الجد ولا ساعة الترويح .. كلها داخلة في نطاق الأخلاق وكلها داخلة في الميثاق المعقود مع الله وكلها يقوم بها المؤمن بمقتضى عقد الإيمان.

صحيح أن الناس في ممارساتهم الواقعية للحياة يعصون أمر ربهم، وأن تلك المعاصي تتعلق أشد ما تتعلق بأخلاقيات لا إله إلا الله، وأن المعاصي مع ذلك لا تخرجهم من الإيمان ما لم يستحلوها ويجعلوها أصلًا معتمدًا بدلًا من أوامر الله، ولكن المعصية لا تنفي ارتباط هذه الأخلاقيات بلا إلا إلا الله ولا تنفي أصل الالتزام المنبني على الإقرار بلا إله إلا الله فمن أقر فقد التزم وإن عصى، وإلا فلا إقرار بغير التزام.

قضية المعصية هي أن الله برحمته لا يخرج من عصاه من دائرة الإيمان ويغفر له إن شاء ويعذبه إن شاء ولكنه لا يخلده في النار ما دام غير مستحل لمعصيته، وما دام لم يجعلها تشريعًا يضاهي به تشريع الله.

ولكن هذا ليس معناه أن المعصية هينة عند الله أو أن وجودها وعدم وجودها سيان بالنسبة للإيمان، إنما الإيمان يزيد وينقص .. ينقص بالمعاصي ويزيد الطاعات.

ميزان الإيمان ليس ثابتًا وإنما هو يعلو ويهبط كلما قام الإنسان بعمل من الأعمال حسب التزامه أو عدم التزامه في ذلك العمل بأوامر الله، كما يكفي لبيان ذلك الارتباط الذي لا ينفصم بين لا إله إلا الله وأخلاقيات لا إله إلا الله، وأن هذه الأمة بحكم أنها أمة ربانية .. أمة عقيدة .. فهي أمة أخلاق وأن التزامها بأخلاقيات لا إله إلا الله هو معيار من معايير صدق إيمانها لا يمكن إغفاله، وإنها لا تستطيع أن تتفلت من أخلاقها ثم تزعم أنها صادقة الإيمان!

فأما الجيل الأول: فقد وعى هذه الحقيقة بكل عمقها وكل فعاليتها .. سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: كان خلقه القرآن، وعلى هذا الخلق ربى - صلى الله عليه وسلم - أصحابه رضوان الله عليهم وكان هو القدوة أمامهم في التخلق بأخلاق الله.

ولذا فلا عجب أن نرى تلك القيم الأخلاقية الرفيعة في كل مجال من مجالات الحياة.

يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «اغْزُوا بِاسْمِ اللهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللهِ، اغْزُوا وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تَمْثُلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا ... » [1] .. فيضع بذلك الدستور الأخلاقي للحرب التي يظن الناس -في الجاهلية المعاصرة خاصة- أنه لا علاقة لها بالأخلاق!

(1) رواه مسلم (1731) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت