فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 209

بل إنه على الرغم من يقين الرسول - صلى الله عليه وسلم - المستمد من الوحي- بأن الله سيمكن لهذا الدين حتى يسير المسافر إلى صنعاء لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه .. فإن الله سبحانه وتعالى لم يعِدْ رسوله - صلى الله عليه وسلم - مرة واحدة في فترة التربية بمكة أنه سيشهد النصر والتمكين بشخصه.

ووعى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التوجيه الرباني، فكان قمة التجرد البشري لله، ثم ربى على هذا التجرد أصحابه رضوان الله عليهم حتى"خلت نفوسهم من حظ أنفسهم"وكان ذلك جزءًا من الإعداد العظيم للدور العظيم الذي يناط بهذه الأمة حين يمكن لها في الأرض، ذلك أن إقامة العدل في الأرض لا يمكن أن تتم حتى تتجرد النفوس لله وتتخلى حتى عن رغباتها المشروعة ويكون هدفها الأسمى هو ابتغاء مرضاة الله، ونعميها النفسي هو العمل لإرضاء الله.

ثم كانت دروس قرآنية ودروس من الرسول - صلى الله عليه وسلم - لرفع هذه الأمة إلى المستوى الذي يؤهلها عن جدارة لا للتمكين في الأرض فحسب بل لقيادة البشرية، ولا لإقامة العدل الرباني داخل ذاتها فحسب بل مع غيرها كذلك.

• رابعًا: أخلاقيات لا إله إلا الله:

من أبرز سمات هذا الدين قاعدته الأخلاقية العريضة الشاملة لكل تصرفات الإنسان، وارتباط هذه القاعدة الأخلاقية بحقيقة الإيمان، ولقد سبق أن أشرنا ونحن نتحدث عن جدية الأخذ من الكتاب والسنة إلى هذا الارتباط بين الأخلاق وبين لا إله إلا الله، ولكن الأمر يحتاج إلى مزيد من البيان خاصة في وقتنا هذا الذي كادت تنفصل فيه الأخلاق انفصالًا كاملًا عن مفهوم لا إله إلا الله!

في سورة الرعد يتحدث القرآن عن صفة الذين يعلمون أن ما أنزل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الحق: {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} [الرعد:19] ، وأول صفة لأولئك هي: {الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ} [الرعد:20] وفي هذا إشارة إلى أمرين:

الأول: أن الإيمان هو مقتضى ميثاق الفطرة الذي قال الله عنه: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا} [الأعراف:172] .

الثاني: أن الأخلاقيات التي يعرضها القرآن هي في حقيقتها ميثاق مع الله يوفي به المؤمنون وينقضه غير المؤمنين .. وتلك هي الحقيقة في أمر الأخلاق.

إن الإنسان كائن أخلاقي بطبعه، أي أن أعماله تحمل معها (قيمة) خلقية بصرف النظر عن كون هذه القيمة في اعتبار إنسان بعينه صحيحة أم خاطئة، وإنما تستمد أعمال الإنسان قيمة خلقية من كون أن له طريقين اثنين لا طريقًا واحدًا غريزيًّا كالحيوان، وله القدرة على معرفة الطريقين واختيار أحدهما: وَهَدَيْنَاهُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت