فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 209

وهي مندوبة للنصوص الحاضَّة على الهجرة، وغير واجبة للأحاديث التي تصرف حكم الوجوب عمن اتصف بما تقدم ذكره ومنها قوله - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ، وَأَقَامَ الصَّلاَةَ، وَصَامَ رَمَضَانَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، جَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا» رواه البخاري.

وعن عبد الله بن عمرو أن رجلًا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إني جئت أبايعك على الهجرة، ولقد تركت أبواي يبكيان، قال: «ارْجِعْ إِلَيْهِمَا فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا» رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة، وهذا يُحمل على الهجرة المندوبة.

قال ابن قدامة -في من تستحب له الهجرة ولا تجب عليه-:"وهو من يقدر عليها لكنه يتمكن من إظهار دينه وإقامته في دار الكفر، فتستحب له ليتمكن من جهادهم وتكثير المسلمين ومعونتهم ويتخلص من تكثير الكفار ومخالطتهم ورؤية المنكر بينهم ولا تجب عليه لإمكانه إقامة واجب دينه بدون هجرة ... وروينا أن نعيم النحام حين أراد أن يهاجر جاءه قومه بنو عدي فقالوا له: أقم عندنا وأنت على دينك، نمنعك ممن يريد أذاك، واكفنا ما كنت تكفينا، وكان يقوم بيتامى بني عدي وأراملهم، فتخلف عن الهجرة مدة ثم هاجر بعد، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «قَوْمُك كَانُوا خَيْرًا لَك مِنْ قَوْمِي لِي، قَوْمِي أَخْرَجُونِي، وَأَرَادُوا قَتْلِي، وَقَوْمُك حَفِظُوك وَمَنَعُوك» " [1] اهـ.

وذلك عند العجز عن الهجرة، مع بذل الجهد والرغبة فيها -والعزم عليها عند القدرة-، قال ابن قدامة - فيمن لا هجرة عليه-:"وهو من يعجز عنها: إما لمرض أو إكراه على الإقامة أو ضعف من النساء والولدان وشبههم، فهذا لا هجرة عليه لقول الله تعالى: {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا} ، ولا توصف باستحباب لأنها غير مقدور عليها"اهـ. وذلك لأنه لا تكليف إلا بمقدور {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} ، {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} . وفي الحديث المتفق عليه: «وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» " [2] ."

وذلك عندما يترتب على الهجرة تفويت مصالح معتبرة لا يمكن تحقيقها إذا هاجر وترك موضعه وكان قادرًا على إظهار دينه والقيام بواجبات دينه في دار الكفر وآمنًا من الفتنة.

ومن هذه المصالح: الإعداد لجهاد الكفار، وتعليم المسلمين دينهم، والدفاع عن حقوقهم، ونحو ذلك.

قال الشوكاني رحمه الله في السيل الجرار (1/ 977) :"فإنها إن كانت المصلحة العائدة على طائفة من المسلمين ببقائه ظاهرة؛ كأن يكون له مدخل في بعض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو في تعليمه"

(1) المغني لابن قدامة (9/ 295) .

(2) المغني لابن قدامة (9/ 294) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت