الراية هي الغاية والمقصد، ومما يدل على ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث الملحمة عن الروم"بني الأصفر": «فَيَأْتُونَكُمْ تَحْتَ ثَمَانِينَ غَايَةً» ، وفي رواية «تَحْتَ ثَمَانِينَ رَايَةً» . ومما يدل كذلك؛ حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - كما عند مسلم: «وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ، أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَةٍ، أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً، فَقُتِلَ، فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ» .
وقد تطلق الراية على العلم والبيرق، ففي الحديث: أن راية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانت سوداء، ولواءه أبيض.
وقد تطلق الراية على الإمارة كما في قوله - صلى الله عليه وسلم: «لأعطين الراية غدًا -أي الإمرة- رجلًا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله» . ثم أعطاها لعلي رضي الله عنه.
وقد اشتهر في زماننا استخدام الراية بمعنى المنهج. ولا مشاحة فيه إن شاء الله.
وهذه الغاية أو الراية تمثل: الأساس الجامع للجماعة والقاسم المشترك بينها والخيط الناظم لها.
فقد تكون هذه الغاية هدفًا مشتركًا أو مبدأً جامعًا أو مشروعًا واحدًا أو مصلحةً جامعة، أو أي رابط مشترك يربط بينهم.
ولا بد من ملاحظة أن هذه الغاية قد تكون فعلًا، كما لو اجتمع جماعة لقطع الطريق لتحقيق مصلحة مالية، فهذا فعل. وقد تكون تركًا: كحال مانعي الزكاة؛ فإنهم اجتمعوا على منع الزكاة أي على ترك القيام بهذا العمل.
وبالنسبة للغاية: فقد تكون دينية، وقد تكون دنيوية، كمنهج ديني أو كعمل مشترك، وقد تكون الغاية مصلحة دنيوية مشتركة، وقد تختلط الغايات وتجتمع.
كما أن الغاية قد تكون صالحة، كما هو الحال في غايات جهاد المجاهدين في الشام وغير الشام.
وقد تكون الغاية فاسدة: وهذا الفساد على درجات:
-فمن هذا الفساد ما يكون معصية: كحال البغاة في الأزمنة المتأخرة للخلافة حيث غلب على البغاةِ الفسقُ والظلم، ويُفهم هذا من تَعَقُّبِ شيخ الإسلام لابن عقيل الحنبلي رحمهما الله حيث اعترض شيخ الإسلام عليه إطلاقَ لفظ الفسق على البغاة، وقال -أي شيخ الإسلام-: لعل أبا الوفاء -أي ابنَ عقيل- نظر إلى بغاة زمانه فوجد فيهم الفسق فأطلق الوصف، وإلا فإن البغاة قد يكونون متأولين مخطئين كما هو معلوم، ولا يوصفون بالفسق حينها.
-ومنه: -أي من فساد الغاية- ما يكون كبيرةً: كما هو حال قُطَّاع الطريق المحاربين المفسدين، الذين قال الله في أمثالهم: {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّه وَرَسُولَه وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يقُتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تقُطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَاف أَوْ ينُفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لهَمُ خِزْي فِي الدُّنْيَا وَلهَمُ فِي الْآخِرَة عَذَاب عَظِيم} [المائدة:33] .