فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 209

ولكن المعجزة الكبرى التي تحققت على يد ذلك الجيل أن الذين لم يكرهوا على اعتناق العقيدة الإسلامية قد دخلوا في الإسلام من ذوات أنفسهم وأقبلوا عليه إقبالًا وفرحوا بمجيء المسلمين إليهم وأحبوهم وصاروا بدورهم جزءًا من هذه الأمة وجندًا من جنود الإسلام .. كما أصبحوا كذلك يتكلمون بلغة العقيدة الجديدة ونسي كثير منهم ما كان لهم من لغات!

ولا شك أن ذلك الأمر لم يكن ليتحقق لو كانت الأمة الفاتحة أمة غلبة حربية فحسب أو أمة ذات نزعة توسعية فحسب أو كانت تبغي العلو والفساد في الأرض ككل التجمعات الكبرى في جاهليات التاريخ!

إنما اعتنقت البلاد المفتوحة عقيدة الأمة الفاتحة وتكلمت لغتها لأنها رأت فيها نموذجًا غير مكرر في التاريخ من قبل .. نموذج (أمة العقيدة) التي تفتح الأرض لا لشهوة التوسع والغلبة ولكن لتنشر النور وتنشر العدل وتنشر الأمن، وتنشر القيم الرفيعة التي تحيا بها القلوب وتتفتح بها الأبصار.

• ثالثًا: تحقيق العدل الرباني في واقع الأرض:

لقد أمر الله هذه الأمة بتحقيق العدل الرباني في واقع الأرض وربط هذا الأمر بحقيقة الإيمان: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة:8] .

وربط هذا الأمر بالعقيدة في الله، وجعله خالصًا لله بجعله سمة من سمات هذه الأمة أو لازمًا من لوازم وجودها، ليهيئ لها القيام بدورها في قيادة البشرية وريادتها، ولكن التغلب على أهواء النفوس والحد من نزواتها وشهواتها التي ينشأ عنها العدوان والظلم في واقع الحياة أمر يحتاج إلى تربية وتدريب حتى تتعود النفوس أن تخضع للحق ولا تزيغ عنه.

ولقد كان الجيل الأول من هذه الأمة هو القمة العليا في تحقيق العدل الرباني في واقع الأرض بصورة لم تكن معهودة من قبل حتى في الأمم التي يوصف حكامها بالعدل، وما زالت هذه الصورة بارزة باهرة حتى بعدما وصلت البشرية في النظم الديمقراطية إلى ألوان من العدل السياسي تتوهم أنه من القمم في عالم القيم والمبادئ.

لقد كان الله يعد هذه الأمة لتكون رائدة البشرية كلها إلى الخير الشاهدة عليها يوم القيامة وكفلها رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقوم بتربيتها لهذا الهدف العظيم.

وكانت تربية الله لهذه الأمة -من أجل القيام بدورها في الأرض- تربية عجيبة! لقد ربى الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - بادئ ذي بدء على أنه ليس له من الأمر شيء .. إلا طاعة الله وابتغاء مرضاته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت