فهرس الكتاب

الصفحة 116 من 209

قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: لَا، فَقَتَلَهُ، فَكَمَّلَ بِهِ مِائَةً، ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ؟ انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللهَ فَاعْبُدِ اللهَ مَعَهُمْ، وَلَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ، فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ، فَانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ أَتَاهُ الْمَوْتُ، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ، فَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ: جَاءَ تَائِبًا مُقْبِلًا بِقَلْبِهِ إِلَى اللهِ، وَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ: إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ، فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ، فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَ الْأَرْضَيْنِ، فَإِلَى أَيَّتِهِمَا كَانَ أَدْنَى فَهُوَ لَهُ، فَقَاسُوهُ فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ، فَقَبَضَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ».

4 -الهجرة كمقدمة للجهاد:

أي الهجرة إلى أراضي الجهاد لتأدية فرض الجهاد في حال العجز عنه وعن الإعداد في مكان الإقامة، أو لإعانة المسلمين في جهاد عدو لهم، وكذلك يدخل في هذه الهجرة؛ الهجرة إلى الثغور وأماكن الرباط لتقوية المسلمين وإعانتهم في الجهاد مطلقًا، ويدل على هذا النوع الآيتان السابقتان حيث أن الأمر بتقوى الله، فيدخل فيها القيام بالجهاد في سبيل الله، وكذلك يدخل الجهاد في سبيل الله في الأمر بعبادة الله وحده، حيث قال مجاهد في آية سورة العنكبوت:"إن أرضي واسعة فهاجروا وجاهدوا فيها". وقال في آية سورة الزمر:"فهاجروا فيها وجاهدوا واعتزلوا الأوثان".

وقد دل على الترابط بين الهجرة والجهاد نصوص عديدة كما في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [الأنفال:72] ، وقال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة:218] ، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال:74] ، وقال - صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْهِجْرَةَ لَا تَنْقَطِعُ مَا كَانَ الْجِهَادُ» رواه أحمد وصححه الألباني في صحيح الجامع. وقال - صلى الله عليه وسلم: «لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا جُوهِدَ الْعَدُوُّ» رواه أحمد وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة [1] ، وقال - صلى الله عليه وسلم: «لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، ثلاثًا، وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا» [2] . فالهجرة مستمرة ما دام الجهاد، والجهاد مستمر إلى قيام الساعة. قال - صلى الله عليه وسلم: «الخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الخَيْرُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ: الأَجْرُ وَالمَغْنَمُ» متفق عليه.

وتكون الهجرة إلى أراضي الجهاد والإعداد واجبة إذا تعين الجهاد وعجز عنهما في مكان الإقامة، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

(1) وفي لفظ: «لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا قُوتِلَ الْكُفَّارُ» صحيح. رواه أحمد وابن حبان، والبيهقي في الكبرى والنسائي في الكبرى والطبراني في الأوسط.

(2) وهو صحيح؛ رواه أحمد وأبو داود والبيهقي في الكبرى والطبراني في الكبير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت