وينتج من ذلك ثانيًا: أن العلم لا يكون وسيلة لإفساد الأخلاق:
فإذا كان العلم نشاطًا بشريًّا؛ والنشاط البشري كله في المنهج الرباني محكوم بالميثاق الأخلاقي المعقود بين الإنسان وبين الله فإنه لا يمكن -بداهة- أن يستخدم لإفساد الأخلاق.
والجاهلية المعاصرة نموذج فذ للتقدم العلمي ولاستخدام العلم كذلك في إفساد الأخلاق كما استخدمته في محاربة العقيدة سواء بسواء.
وينتج من ذلك ثالثًا: أن العلم لا يكون وسيلة للشر.
فما دام الإنسان كله في المنهج الإسلامي موجهًا إلى عمل الخير ومراقبة الله في كل أعماله والتوجه بكل ذرة من نشاطه إلى الله: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ} [الأنعام:162 - 163] ، ما دام الأمر كذلك، والعلم جزء من نشاط الإنسان فهناك حاجز عقدي وأخلاقي يمنع من استخدام ثمار العلم في الشر.
والجاهلية المعاصرة على العكس من ذلك إذ لا دين ولا أخلاق.
إن المزية الكبرى للحركة العلمية الإسلامية -التي تجعلها في الوقت ذاته سمة من سمات هذه الأمة- أنها جزء من هذا الدين بشموله وتوازنه وترابطه لا يشذ عنه ولا ينفصل منه.
وقد نمت الحركة العلمية الإسلامية في ظل العقيدة الصحيحة فلم يحدث بينهما صراع لا على المستوى النظري ولا على الصعيد العلمي.
ليس في حقائق الدين ما يعارض العلم الصحيح وليس في العلم الصحيح ما يعارض ما جاء في هذا الدين.
لقد اتجهت الحركة الإسلامية إلى البحث عن الحقيقة وتسخير العلم وثماره لما ينفع الناس وحافظت على عقائد الناس وأخلاقهم لأنها جزء من هذا الدين محكوم بالمنهج المنزَّل من عند الله.
المقصود هنا بالحركة الحضارية هو الجانب المادي والتنظيمي منها وهو الذي تأخر بروزه عن الجيل الأول، أما الجانب المعنوي .. جانب القيم .. فقد برز منذ اللحظة الأولى لوجود المجتمع المسلم بالمدينة، بل قبل ذلك منذ قيام الجماعة المسلمة بمكة.