وقد تكون هذه القضية في حاجة إلى شيء من البيان:
لقد غلب على استعمال كلمة الحضارة أن تطلق على الجانب المادي والتنظيمي من الحياة، والحضارة في اللغة فعل أهل الحضر، ولكنها في المصطلح الإسلامي هي عمارة الأرض بمقتضى المنهج الرباني، فيدخل في ذلك الجوانب المادية والتنظيمية، وتدخل فيه القيم التي يحملها هذا الدين غير منفصلة هذه عن تلك، أي أنها تشمل الأمرين الذَين فرقت بينهما الجاهلية المعاصرة فسمَّت أحدهما ثقافة؛ وخصته بالقيم والأفكار والمعتقدات، وسمَّت الآخر حضارة؛ وخصته بالجانب المادي والتنظيمي.
ولسنا ملزمين بمجاراة الجاهلية الأوروبية في مصطلحاتها.
إنما نقول: إن"الحضارة"هي الجانب المعنوي الذي يحمل القيم والجانب المادي والتنظيمي على حد سواء، ونقول إن هناك"حضارة إسلامية"ذات قيم ثابتة وأشكال مادية وتنظيمية نامية ومتغيرة على الدوام، والمفروض في الحالة السوية أن يظل الارتباط قائمًا بين تلك القيم وهذه الأشكال المتغيرة ليصح تسميتها"حضارة إسلامية"، فإذا تغيرت القيم وابتعدت عن روح الإسلام لم تعد تصلح أن تسمى بهذا الاسم.
وإن مقارنة سريعة بين جيل الصحابة رضوان الله عليهم والأجيال التي تعيش اليوم في الجاهلية الأوروبية المعاصرة تحسم الكلام في هذه النقطة، فأيهما هو"الإنسان"في أعلى صورة؟ أيهما الذي يعيش بمشاعر"الإنسان"وأفكار"الإنسان"وأخلاقيات"الإنسان"وسعة أفق"الإنسان"والعمل والكدح اللائق"بالإنسان"؟
الإجابة واضحة دون شك، وحاسمة كذلك.
إن ذلك الجيل الذي لم يكن يملك من أشكال الحضارة المادية والتنظيمية إلا القدر الأدنى، هو أعظم أجيال البشرية قاطبة دون منازع، والأجيال التي تعيش اليوم في الجاهلية المعاصرة هي من أسوأ أجيالها إن لم تكن أسوأها، وإن كانت تملك أعلى قدر من الحضارة المادية والتنظيمية في تاريخ البشرية.
من هنا نقول باطمئنان: إن الإسلام هو الحضارة، وإن المجتمع المسلم هو المجتمع المتحضر أيًّا كان القدر الذي يشتمل عليه من الأشكال المادية والتنظيمية.
ولكن الأمر الطبيعي في الفطرة السوية أنها تسعى لإشباع الجوانب الحسية والجوانب المعنوية معًا في ذات الوقت بلا تعارض ولا تناقض بل على توازن واتساق.
وهذا التكامل في الفطرة وفي الحياة الواقعية علامة صحية بالنسبة للإنسان الذي خلقه الله من قبضة من طين الأرض ونفخة من روح الله: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [ص:71 - 72] .
والإسلام -دين الفطرة- يدعو إلى إشباع الجانبين معًا سواء فيما يتعلق بالروح والجسد أو بالدنيا والآخرة {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا} [القصص:77] . فأما إذا جنح الإنسان بأحد جانبيه على حساب الآخر فهنا يحدث الخلل في حياته، سواء جنح إلى الجانب الروحي