فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 209

فيأخذون التوجيه على أنه أمر ملزم ونهي ملزم، أمر بأخلاقيات لا إله إلا الله، ونهي عن أخلاق الجاهلية.

لذلك لم تكن لا إله إلا الله منفصلة في حسهم عن الأخلاق الفاضلة التي دعاهم إليها باسم الإيمان، لأنها كانت في حسهم -كما هي في الواقع- من مقتضيات لا إله إلا الله.

هل خرج هؤلاء البشر عن بشريتهم؟

هل أصبحوا ملائكة؟

هل خرجوا من عموم قوله - صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ» [1] ؟

كلا: ما كانوا كذلك!

كانوا بشرًا تعتمل في نفوسهم دوافع البشر، ويتحركون في الأرض بدوافع البشر .. ولكنها دوافع البشر في أصفى حالاتها وأعلاها، دوافع البشر حين يتخففون إلى أقصى حد من ثقلة الأرض، فيصعدون أقصى ما يتاح للبشر من الصعود، ولكنهم مع ذلك كله بشر فيهم من سرق وأُقيم عليه الحد، وفيهم من زنا وأُقيم عليه الحد، وفيهم من شرب الخمر وأُقيم عليه الحد، وفيهم من تولى يوم التقى الجمعان فغفر الله له، وفيهم من تباطأ وتثاقل، وفيهم من تخلف.

ولكنهم كانوا كما وصفهم الله: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [آل عمران:135 - 136] .

كانوا يعملون .. فإذا هبطت بهم ثقلة عن المستوى السامق لم يستكينوا للهبوط، إنما عادوا يعملون للصعود من جديد .. فيصعدون .. ويصعدون!

• ثانيًا: تحقيق معنى الأمة في صورته الحقيقة:

كان العرب قبائل متناثرة لا تجتمع على شيء، على الرغم من وجود كل مقومات التجمع من وحدة الأرض، ووحدة اللغة، ووحدة الثقافة، ووحدة التاريخ، ووحدة التصورات، ووحدة التطلعات.

وقد كان يمكن على أقل تقدير أن يجتمعوا على قضية من القضايا التي يتجمع لها الناس في جاهلياتهم، قضية قومية مثلًا لطرد الاحتلال الفارسي والاحتلال الروماني من أطراف الجزيرة العربية، أو قضية اجتماعية

(1) رواه أحمد والترمذي وابن ماجة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت