فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 209

لتقريب الفوارق بين الغنى الفاحش في أيدي فئة قليلة من الناس والفقر المدقع الذي يتسربل به أغلبية الناس .. أو غير هذه وتلك مما يمكن أن يجتمع له الناس في أطوار معينة من أطوار الحضارات الجاهلية ... ولكن العصبية القبلية والثارت الدائمة وغارات السلب والنهب واشتغال كل قبيلة بشؤونها الخاصة، وحرصها على حيازة ما تفاخر به غيرها، وسعيها إلى انتقاص غيرها، جعل التجمع حتى على هذه القضايا الأرضية البحتة أمرًا لا يخطر في بال قبيلة من القبائل، حتى في فرصة التجمع السنوي في موسم الحج.

ومن هناك انتشلهم الإسلام ..

انتشلهم لا ليكونوا تجمعًا قوميًّا كما يمكن أن يحدث في أية جاهلية من جاهليات التاريخ، ولا ليكونوا تجمعًا وطنيًا تحت قيادة زعيم منهم ينشئ منهم دولة موحدة ذات كيان وحدود .. ولكن لينشئ منهم تجمعًا فريدًا في التاريخ .. لينشئ منهم أمة العقيدة التي استحقت من الله وصفها بهذا الوصف العظيم: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران:110] .

والذي يلحظ النقلة الهائلة التي انتقلها العرب من شتاتهم المتناثر ليكونوا خير أمة أخرجت للناس، لا بد أن يأخذه العجب من هذا التحول الهائل في فترة من عمر الزمن كأنها لحظات!

كيف تكوَّن ذلك التجمع الفريد، الذي أنشأ خير أمة أخرجت للناس؟

لقد بدأ ولا شك بأولئك الأفراد القلائل الذي تجمعوا حول الرسول - صلى الله عليه وسلم - في دار الأرقم بن أبي الأرقم في خفية عن عيون الناس، كل قد هجر الجاهلية كلها من حوله وأدار لها ظهره وقطع صلته بقرابة الدم وصداقات القوم، وتوجه الوجهة الجديدة التي تدعو إليها لا إله إلا الله محمد رسول الله التي شهد بها قلبه ولسانه وكل جوارحه وأصبحت له -منذ شهد بها- هي الموئل والملاذ وهي مفرق الطريق بينه وبين الجاهلية.

وحين التقوا حول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد التقوا بكيانهم كله والتحمت قلوبهم بنوع جديد من الرباط لم يألفوه من قبل ولا وجود له في الحقيقة خارج نطاق العقيدة؛ إنه اللقاء في الله واللقاء في رسول الله.

رباط العقيدة ليس رباطًا بين إنسان وإنسان في محيط الأرض وعلى علاقات الأرض، ولكنه رباط في الله .. ذلك الرباط هو الذي وحد تلك القلوب حول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين حدث اللقاء بينها في الله فتحابت فالتحمت، ثم زادها التحامًا لقاؤها في حب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتآخت ذلك الإخاء العجيب الذي يتحدث عنه التاريخ!

ولما هاجر الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة آخى بين الأوس والخزرج فذاب ما بينهما من نزاع وصراع استمر ذلك المدى من الزمن الذي لا يعلمه إلا الله، وصار بينهما ذلك التآلف والإخاء الذي منَّ الله به عليهم.

ثم آخى بين المهاجرين والأنصار تلك المؤاخاة العجيبة الفريدة في التاريخ حيث كان الأنصار يتنازلون عن شطر ما يملكون للمهاجرين عن طيب خاطر وعن غير إلزام ألزمهم به الله ولا رسوله - صلى الله عليه وسلم - ويؤثرونهم أحيانًا على أنفسهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت