فهرس الكتاب

الصفحة 113 من 209

وكذلك فإن وجودهم في دار الكفر يعرضهم لإصابتهم أثناء هجوم المسلمين على ديار الكفر أو رميهم لها.

وترك هذه الهجرة معصية من الكبائر، هذا إذا لم يصاحبها إعانة الكفار على كفرهم من نصرة شركهم أو معاونتهم في قتال المسلمين في الدين. قال الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ في الرسائل (1/ 274) :"وأكبر ذنب وأضله وأعظمه منافاةً لأصل الإسلام نصرةُ أعداء الله ومعاونتهم والسعي فيما يظهر به دينهم وما هم عليه من التعطيل والشرك والموبقات العظام، وكذلك انشراح الصدر لهم وطاعتهم والثناء عليهم ومدح من دخل تحت أمرهم وانتظم في سلكهم، وكذلك ترك جهادهم ومسالمتهم، وعقد الأخوة والطاعة لهم، وما هو دون ذلك من تكثير سوادهم ومساكنتهم ومجامعتهم"اهـ.

وقال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (28/ 530) :"وكل من قفز إليهم -أي التتار- من أمراء العسكر وغير الأمراء فحكمه حكمهم، وفيهم الردة عن شرائع الإسلام بقدر ما ارتد عنه من شرائع الإسلام. وإذا كان السلف قد سموا مانعي الزكاة مرتدين مع كونهم يصومون ويصلون ولم يكونوا يقاتلون جماعة المسلمين فكيف بمن صار مع أعداء الله ورسوله قاتلًا للمسلمين"اهـ.

وقال ابن حزم في المحلى (12/ 125) :"فصحّ بهذا أن من لحق بدار الكفر والحرب مختارًا محاربًا لمن يليه من المسلمين فهو بهذا الفعل مرتد له أحكام المرتد كلها؛ من وجوب القتل عليه متى قُدر عليه، ومن إباحة ماله وانفساخ نكاحه وغير ذلك"اهـ.

ومما يدل على هذا قوله تعالى: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا} [النساء:88] . ومما ورد في سبب نزول هذه الآية ما رواه ابن جرير الطبري ورجَّحه عن ابن عباس رضي الله عنه قوله:"وذلك أن قومًا كانوا بمكة قد تكلموا بالإسلام وكانوا يظاهرون المشركين، فخرجوا من مكة يطلبون حاجةً لهم، فقالوا: إن لقينا أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - فليس علينا منهم بأس، وأن المؤمنين لما أخبروا أنهم قد خرجوا من مكة قالت فئة من المؤمنين: اركبوا إلى الخبثاء فاقتلوهم، فإنهم يظاهرون عليكم عدوكم! وقالت فئة أخرى من المؤمنين: سبحان الله!! -أو كما قالوا- أتقتلون قومًا قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به؟ أمن أجل أنهم لم يهاجروا ويتركوا ديارهم، تُستَحَلُّ دماؤهم وأموالهم لذلك، فكانوا لذلك فئتين والرسول عليه السلام عندهم لا ينهى واحدًا من الفريقين عن شيء، فنزلت" [1] اهـ.

عندما يستطيع المسلم في دار الكفر أن يظهر دينه ويقوم بالواجبات الدينية التي فرضها الله عليه دونما حاجة للتقية.

(1) تفسير الطبري (8/ 10) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت