بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على النبي الأمين؛ محمد رسول االله - صلى الله عليه وسلم -، وعلى آله وصحبه أجمعين؛ وبعد؛
فهذه استراحة في ظلال الجهاد، نتعرف فيها إن شاء الله على أهم المعالم التي تعين"المسلم المجاهد"على فهم المنهج الجهادي، بحيث يسير به الجهاد، ويسير هو بالجهاد على بصيرة ونور.
شاء الله سبحانه وتعالى أن يخلق الإنسان الأول -سيدنا آدم عليه السلام- بيديه؛ وهذا أول التكريم، وقد خلقه الله في السماء وأسكنه الجنة؛ وهذا من التكريم، ثم أمر ملائكته بالسجود له؛ وهذا من التكريم أيضًا، وقد أبى إبليس السجود لآدم حسدًا وكبرًا.
ثم كان ما كان من أمر وسوسة الشيطان لآدم عليه السلام، فعصى آدم وزوجه حواء عليهما السلام بالأكل من الشجرة، ثم تابا، فتاب الله التواب الرحيم سبحانه وتعالى عليهما، وكان من الأثر القدري لذلك، هبوط آدم وزوجه عليهما السلام من الجنة .. المسكن الأول .. إلى الأرض.
فالجنة هي المنزل الأول، ونحن في الدنيا أغراب -مع ضرورة عمارة هذه الأرض بهذا الدين عبر إقامة دولة التوحيد- .. نعم أغراب .. قال - صلى الله عليه وسلم: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ، أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ» [1] .
فحيّ على جنات عدن فإنها منازلنا الأولى وفيها المخيّم
ولكننا سبي العدو فهل ترى نعود إلى أوطاننا ونسلّم
وإن السبيل لنعود لمنازلنا الأولى"جنات عدن"هي عبادة الله بمفهومها الشامل الذي يدل عليه قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56] ، ومن أهم ملامح هذه العبادة وكثيرًا ما تغيب عن ذهن من يلفظ كلمة عبادة: عمارة الأرض، نعم .. إن عمارة الأرض عبادة .. عمارة الأرض بمنهج الله وبما يؤدي لسيادة هذا الدين، وعبر الجهاد في سبيل نشر الدين وحمايته وإقامة دولته {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} [التوبة:33] .
وقد انعقدت العداوة بين بني آدم والشيطان منذ ذلك الوقت، وأقسم إبليس بعزة الله على إغوائهم ما استطاع {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [ص:82 - 83] .
وعاش آدم عليه السلام مسلمًا موحدًا وكذا زوجه إلى أن توفاهما الله تعالى، وبقيت ذريته من بعده على التوحيد دهرًا ثم تسلل الشرك إلى البشر عبر وسائل منها تعظيم الصالحين [ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر] وانتهى الأمر إلى عبادتهم من دون الله، وهذا أول شرك وقع، فبعث الله نوحًا عليه السلام رسولًا إلى قومه،
(1) رواه البخاري (6416) .