فدعاهم إلى التوحيد ونبذ الشرك .. دعاهم {فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا} [العنكبوت:14] ، {وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ} [هود:40] ، ثم أغرق الله الكافرين بالطوفان الذي قص علينا القرآن قصته.
وهكذا تتابعت الرسل والرسالات، من لدن نوحٍ عليه السلام إلى النبي الخاتم محمد - صلى الله عليه وسلم -، وبينهما أنبياء كثيرون لا يعلم عددهم إلا الله {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ} [فاطر:24] ، وكان كلٌ منهم يدعو قومه إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وإلى الفضائل ومكارم الأخلاق من الصدق والأمانة، وغيرها من جميل الخلال .. ويعدهم إن هم آمنوا بالسيادة والظهور في الدنيا، والنعيم المقيم في الآخرة، وإن هم كفروا فبالعذاب في الدنيا والآخرة .. عذاب الإهلاك"الاستئصال"في الدنيا، ونار جهنم في الآخرة.
وقد كانت سنة الله في تعذيب المكذبين الكافرين -في الشرائع التي ليس فيها جهاد- أن يسلط عليهم عذابًا من عنده فيستأصلهم، كما حصل لقوم هود وصالح وشعيب عليهم السلام.
ثم شرع الله الجهاد في شريعة موسى عليه السلام زمن بني إسرائيل بعد إهلاك عدوهم فرعون، وصار عذاب الله ينصبُّ على الكافرين بأيدي أوليائه المؤمنين، الذين صاروا قدرًا إلهيًا يسلَّط على الكافرين، وقد جاءت رسالة سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - على هذا المنوال. قال تعالى: {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ} [التوبة:52] ، حيث شرع الله الجهاد لهذه الأمة لتنشر به رسالة الإسلام في كل العالم {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة:33] .
فالجهاد في سبيل الله هو الوسيلة التي بها ينتشر الإسلام في الأصقاع، والوسيلة التي تقام بها دولة الإسلام، والوسيلة التي يُحمى بها جناب الدين والتوحيد ودولته، والمجاهدون هم قدر الله المسلط على الكفار، وهذا يجعل المرء -لو تأمله- يشعر بالتشريف، حيث أنه قدر الله، ويشعر بالتكليف أنه مطلوب منه أن يحقق ذلك.
نسأل الله الذي شرّفنا أن يعيننا على ما كلّفنا {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ} [الأحزاب:72] .