قال أبو شامة في كتاب الحوادث والبدع:"حيث جاء الأمر بلزوم الجماعة فالمراد به لزوم الحق واتباعه، وإن كان المستمسك به قليلًا والمخالف له كثيرًا" [1] اهـ.
واعتبار الاعتصام بالكتاب والسنة منهجًا (علمًا وعملًا) يؤدي وحده دون غيره إلى حفظ الدين على أصوله المستقرة التي كانت عليها الجماعة الأولى (رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصحبه الكرام) ، وإذا كانت غاية الجهاد هي إظهار الدين الحق، فلا بد من معرفة هذا الدين الحق، والقيام به علمًا (تعلمًا وتعليمًا) وعملًا، حتى تتحقق سنة الاستخلاف قدرًا.
والاعتصام بالكتاب والسنة من أهم معالم الإعداد الإيماني للجهاد، إذ أنه يوجّه مسيرة الحركة الجهادية نحو غايتها الشرعية، ويعصمها من الانحراف جهة الغلو والإفراط، أو جهة التفريط والتمييع والتنازل.
والتهاون بهذا المبدأ"الاعتصام بالكتاب والسنة"في كل منطلقات الجماعة الجهادية، وخصوصًا سياستها الشرعية، بأن لا تضبط هذه السياسة بالكتاب والسنة، هو الذي يعصف بالجماعة، ويحولها لمسخ مشوَّه، ويضيع الجهاد والتضحيات والدماء، ويسمح للأغيار بقطف الثمار.
وفي سياق الحديث عن الاعتصام .. نؤكد على ضرورة اتباع هدي وسنة النبي - صلى الله عليه وسلم:
قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب:21] . ولنتذكر أن هذه الآية الكريمة نزلت بين غبار الجهاد .. غبار غزوة الأحزاب.
وعلى العموم فإن الاهتداء بسيرته - صلى الله عليه وسلم - يعمِّق في شخصية المسلم الارتباط بمعنى"وأشهد أن محمدًا رسول الله"؛ حيث أن هذا يعني السير على الخطى المحمدية.
وقد تعامل النبي - صلى الله عليه وسلم - مع الجهاد من منطلق كونه عملًا بشريًّا ينبغي فيه تحصيل الأسباب المادية لينجح، مع الاسترشاد والانضباط بالأوامر الإلهية.
إن السيرة: تثري الدعوة والجهاد، وتسدد طريق المجاهد الداعية وتجنبه المفاسد والثمار المشوهة الخبيثة.
والمتأمل في السيرة يجد أن الله سبحانه كان يوجه نبيه - صلى الله عليه وسلم - لانتقاء الخطاب الدعوي والأعمال والاختيارات والأولويات، وكان - صلى الله عليه وسلم - يراعي طبيعة المخاطب، كما كان يراعي إمكانات الدعوة .. وإمكانات الطائفة المؤمنة، وطبيعة المرحلة والظرف، يفعل ذلك وفق ميزان شرعي يقدم أعظم المصالح عند تعارضها، ويدرأ أعظم المفاسد عند تزاحمها، دون إخلال بالثوابت الشرعية والأركان الركينة.
(1) إغاثة اللهفان (1/ 83) .