فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 209

ثانيًا: السمع والطاعة(ولا إمارة إلا بسمع وطاعة):

حيث يجمع بين أفراد الجماعة مع إمارتها رابطة السمع والطاعة؛ وهي عبادة جليلة، ويكفي في تبيان قيمتها وأهميتها قول النبي - صلى الله عليه وسلم - كما عند البخاري ومسلم: «مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمَنْ يُطِعِ الأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ يَعْصِ الأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي» .

· مجالات السمع والطاعة ودرجاتها وأنواعها:

للشيخ أبي يحيى الليبي رحمه الله تفصيل جميل في مجالات السمع والطاعة ذكره أثناء شرحه لحديث:

«الْغَزْوُ غَزْوَانِ: فَأَمَّا مَنْ ابْتَغَى وَجْهَ اللهِ وَأَطَاعَ الْإِمَامَ وَأَنْفَقَ الْكَرِيمَةَ، وَيَاسَرَ الشَّرِيكَ، وَاجْتَنَبَ الْفَسَادَ، فَإِنَّ نَوْمَهُ وَنُبْهَهُ أَجْرٌ كُلُّهُ، وَأَمَّا مَنْ غَزَا فَخْرًا وَرِيَاءً وَسُمْعَةً، وَعَصَى الْإِمَامَ، وَأَفْسَدَ فِي الْأَرْضِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ بِالْكَفَافِ» . رواه أبو داود والنسائي.

قال الشيخ رحمه الله -أثناء شرحه لفقرة- «وَأَطَاعَ الْإِمَامَ» :"الطاعة المطلقة هي طاعة الله وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، والطاعة المقيدة هي طاعة من سوى النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ طاعة الأمراء .. طاعة العلماء .. فهذه طاعة مقيدة محددة وضع لها الشارع حدًّا واضحًا: «إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ» ، «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ» ."

فإذا كان الأمر جليًا واضحًا -ولو كان شديدًا على النفس- فليس لك إلا أن تسمع وتطيع.

وإذا كان الأمر مما هو في مجال الاجتهاد يعني: هذا أولى أو هذا أولى، فليس لك إلا أن تسمع وتطيع، وقد اتفق العلماء على أن مواطن الاجتهاد يجب فيها السمع والطاعة لأمراء الجهاد وغيرهم.

وإذا كان الأمر فيه شبهة قوية، ويحتمل التأخير، فيمكن أن تؤَّخر السمع والطاعة إلى أن تستفتي وتسأل من يبين لك وجه الحق من وجه اللبس، في هذه المسألة.

وقد وقع هذا في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ ثم ذكر الشيخ -رحمه الله- قصة عبد الله بن حذافة السهميِّ رضي الله عنه لما أمَّره النبي - صلى الله عليه وسلم - على سرية وأمَر الصحابة بأن يسمعوا ويطيعوا له، فغضب عليهم في الطريق وقال لهم: ألم يأمركم النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن تسمعوا وتطيعوا لي، قالوا: نعم، فأمرهم بجمع الحطب ثم بإشعال النار؛ فلما اشتدت أمرهم بدخول النار، فلما أُخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالقصة قال: «لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ» .

قال الشيخ: لأنها كانت معصية ظاهرة، وأمر بغير مصلحة؛ فلا طاعة فيه.

ثم قال رحمه الله: الأمر الذي يكون فيه شبهة قوية ويحتمل التأخير حتى يستفتي فيه الإنسان ويسأل، هذا عليه أن يؤَّخره؛

كما حصل أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أرسل خالد بن الوليد إلى بني جذيمة فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا، فأعمل فيهم خالد السيف؛ فقتل من قتل، وأخذ منهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت