فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 209

يقول الله وهو يوجه رسوله - صلى الله عليه وسلم - والأمة المسلمة من ورائه: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ} [الأنفال:58] ، وهذه من أخلاقيات لا إله إلا الله في المواثيق حتى مع الكافرين الذين لا يرقبون في مؤمن إلاًّ ولا ذمة. والذين تتوقع منهم الخيانة في أي لحظة من اللحظات ينبذ إليهم عهدهم أولًا ثم يقاتَلون بعد ذلك ولكن لا يُغدر بهم والميثاق قائم.

ولقد وعت الأمة الإسلامية التوجيه الرباني وطبقته في عالم الواقع فكانت منه في حياتهم أعاجيب.

• سادسًا: الحركة العلمية الإسلامية:

الحركة العلمية والحركة الحضارية سمتان من سمات هذه الأمة اللازمة لها بوصفها"الأمة المسلمة"، وقد جاءتا بطبيعتهما متأخرتين عن الجيل الأول الذي كتب التاريخ لأنهما تحتاجان إلى استقرار لا يتوفر في مرحلة الإنشاء، وإلى جهد فائض عن الضرورات، بينما الجهد كله في مرحلة الإنشاء يبذل في التأسيس والتمكين. كما تحتاجان إلى زمن يمضي بعد استكمال التكوين تتم فيه عملية"التمثيل"للقيم والمبادئ والأفكار لتتجه بعد ذلك إلى"الإنتاج"في مجالات العلم والحضارة المادية.

ولكن"البذرة"التي تتولد عنها كل من الحركتين تنشأ في الحقيقة من نقطة الابتداء وتظل كامنة حتى تستوفي نضجها الطبيعي فتولد كما يولد الجنين المكتمل الأعضاء بعد أن يستكمل أطواره في خفية عن العيون.

فالجيل الأول -وإن لم يشارك في هاتين السمتين بنفسه- كان في الحقيقة"الأبَ الروحي"لهما إن صح التعبير، من حيث إنه هو الذي قام بالانطلاقة الهائلة التي كتبت سطور التاريخ الظافر فيما بعد، ومن حيث إنه هو الذي حقق في ذات نفسه صحة المنطلق، ولكل من هذين الأمرين أثره في إبراز الحركة العلمية الإسلامية والحركة الحضارية الإسلامية.

فأما الانطلاقة فهي قمينة في حياة أي أمة أن تحدث فيها حركة علمية وحركة حضارية لأن ذلك مركوز في فطرة البشر، ولأن ذلك من جهة أخرى من العطاء الرباني المبذول للبشر جميعًا بقدر ما يبذلون فيه من جهد.

وأما تصحيح المنطلق فمن شأنه أن ينشئ الحركة العلمية الصحيحة والحركة الحضارية الصحيحة التي تتميز تميزًا واضحًا عن غيرها من الحركات، وهذا ما نعنيه هنا.

ونبدأ بالحديث عن الحركة العلمية الإسلامية:

لم يكن العرب في جاهليتهم أمة علمية .. وذلك ثابت من التاريخ، وقد كانت لهم احتكاكات بفارس والروم ولكل منهما في ذلك الحين علوم ومعارف، ولكن العرب لم يشغلوا أنفسهم بتحصيل شيء من تلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت