المعارف العلمية، لأنهم كانوا يعيشون على هامش الدنيا وهامش التاريخ مشغولين بثاراتهم ونزاعاتهم وفخرهم وهجائهم، وعلى الأكثر بتجاراتهم ولهوهم وشرابهم.
كان أشد ما يشغل العرب في حياتهم القبلية التي يعيشونها هو قول الشعر وحفظ الأنساب. ورغم بلاغة الشعر العربي الجاهلي ودلالته على النضج الفكري والنفسي والتعبيري، فإن البداوة التي كان يعيش فيها العرب ومشغلتهم الدائمة بالعصبية القبلية وما يتبعها من خصومات ونزاعات وتفاخر بالأنساب لم تدع مجالًا"للتجمع"لتكوين أمة، وهو شرط أساسي لأي حركة علمية أو حضارية.
لذلك عاش العرب قرونًا لا يتجهون أي اتجاه لطلب العلم، وكانوا أمة أمية لا تقرأ ولا تكتب.
ثم جاء الإسلام .. جاء ليمنحهم كل العناصر المطلوبة لا لإنشاء حركة علمية فحسب، بل لإنشاء الحركة العلمية الصحيحة كما ينبغي أن تكون. فكيف كان ذلك؟
الرغبة في"المعرفة"رغبة فطرية أودعها الله لتكون إحدى أدوات الإنسان للقيام بعمارة الأرض ولكنها كما قلنا تحتاج إلى تجمع وإلى استقرار وأمن وطمأنينة لكي تزاول نشاطها الطبيعي الفطري، وكل هذه العناصر كان مفقودًا في البيئة العربية القبلية الجاهلية فلم يكن هناك من ثم"علم"بالمعنى المعروف.
فلما جاء الإسلام وجدت هذه العناصر جميعًا؛ فوجدت البيئة التي يمكن أن يظهر فيها العلم. ولكنها -في أمة كانت مشغولة تمامًا عن هذا الأمر- كانت في حاجة -إلى جانب التجمع والاستقرار والأمن- إلى دفعة حيوية هائلة تنشّط ما كان غافلًا من جوانب الفطرة وتدفعه إلى العمل والإنتاج.
ولقد أعطى الإسلام تلك الدفعة الحيوية بصورة فذة غير مسبوقة في التاريخ، فكان أمرًا طبيعيًّا أن تتحرك الفطرة لطلب العلم حين سرت الشحنة الضخمة في جسم ذلك التجمع الجديد فحركت كل جزئية فيه.
وشأن الوحي مع متطلبات الحياة البشرية إما أن تكون مما لا يستطيع الإنسان الوصول فيه إلى المعرفة الصحيحة بنفسه فيتكفل الوحي بأمر"التعليم"كله كشأن العقيدة وأمور الحلال والحرام .. وإما أن تكون مما يستطيع الإنسان الوصول فيه إلى المعرفة الصحيحة بما أودع الله الفطرة من الأدوات، فيكتفي الوحي بالتوجيه ووضع المنهج الصحيح للعمل والتفكير.
والتعرف على الكون المادي وعلى خواص المادة هو من تلك الأمور التي أودع الله الفطرة الطاقات اللازمة لها والقمينة بأن يصل الإنسان بها إلى المعرفة الصحيحة بجهد عقلي وعضلي يبذله. لذلك لم يكن شأن الوحي فيه أن يعطي"نظريات علمية"ولا دروسًا توصل إلى معلومات معينة في شتى العلوم، إنما كان شأنه التوجيه وإعطاء المنهج الصحيح.
فأما التوجيهات فقد حفل بها كتاب الله المنزل كما حفلت بها سنة الرسول - صلى الله عليه وسلم: