ينبغي الانتهاء عنه، إنما ينطبق هذا الوصف على كل العلم ما دام لا يخرج عن الحدود التي رسمها الله، وإلا فانظر معي كيف ينفذ المسلمون هذا الأمر الرباني: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال:60] ، هل يستطيعون ذلك بغير علم ويشمل اليوم الفيزياء والكيمياء والرياضيات والميكانيكا وعشرات غيرها من العلوم؟
وانظر إلى قوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} [الجاثية:13] ، هل يتحقق التسخير بغير علم؟ هل يقول الإنسان للشيء كن فيكون؟! أم يحتاج تحقيق التسخير إلى جهد علمي؟!
ويختلف الأمر بين علم وعلم فيكون أحدهما فرض عين والآخر فرض كفاية ولكنه في جميع الأحوال"فريضة"كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحق.
وحيث يكون العلم في الإسلام على هذا النحو تنتج عن ذلك نتائج مهمة في حياة البشرية:
ينتج أولًا: أن العلم لا يمكن أن يكون عدوًا للعقيدة ولا عدوًا للدين، لأن العلم والدين كلاهما نزعة فطرية في كيان الإنسان، والنزعتان -في الفطرة السليمة- أصيلتان ومتكاملتان ومتعاونتان في تحقيق الوجود الصحيح للإنسان.
فتوجه الفطرة لخالقها بالعبادة فطرة، والرغبة في"المعرفة"والرغبة في التفاعل مع الكون المادي واستخدام ثمار المعرفة في تيسير الحياة وتحسينها وتجميلها فطرة كذلك.
فما الذي يجعل إحدى النزعتين في موقف الحرب والتضاد مع النزعة الأخرى؟!
إنما فعلت الجاهلية الحديثة ذلك في أوروبا لأن الدين الممسوخ الذي قدمته الكنيسة كان يحارب العلم ويضطهد العلماء ويحرقهم أحياءً في الأفران لأنهم نادوا بحقائق علمية على غير هوى الكنيسة، فكان رد الفعل الجاهلي هو نبذ الدين جملة -بدلًا من تصحيحه- وجعل العلم منابذًا للدين.
ولكن ذلك لم يكن هو السبب الأوحد في الحقيقة، فإن أوروبا حين نزعت عنها لباس الدين؛ علماؤها ومفكروها أولًا ثم جماهيرها ودهماؤها بعد ذلك، رجعت إلى التراث الإغريقي الروماني تستمد منه مناهج حياتها الجديدة .. فانبعث فيها من الجاهلية الإغريقية ذلك العداء القديم بين"الإنسان"وبين"الله".
ويظل للحركة العلمية الإسلامية تميزها بصحة المنهج واستقامته وأخذها الإنسان على حقيقته الشاملة كلًا مترابط الأجزاء متناسق النشاط، يعمل بجميع نزعاته ومجالات نشاطه في اتجاه موحد لا تصطدم فيه نزعة بنزعة ولا يتعارض مجال للنشاط مع مجال آخر، لأنها كلها متجهة إلى عبادة الله بالمعنى الشامل الواسع الذي يشمل الخلافة في الأرض وتعمير الأرض بمقتضى المنهج الرباني، ويشمل كذلك رفع الإنسان إلى مكانه اللائق به ودوره المنوط به؛ وهو حمل"الأمانة"التي أشفقت من حملها السماوات والأرض والجبال وحملها الإنسان.