فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 209

والمنهج الرباني يأخذ الإنسان على حقيقته، كلًا متكاملًا لا أجزاء ولا تفاريق.

وحين يعالج المنهج الرباني أمر"العلم"فهو أولًا: لا يفصله عن بقية حياة الإنسان ولا يجعله شيئًا قائمًا بذاته ولا يرفع شعار"العلم للعلم"كما تصنع الجاهلية المعاصرة بصفة خاصة. وهو ثانيًا: لا يجعل نشاطه مضادًا ولا معاكسًا لبقية اتجاهات الفطرة وبقية الحاجات النفسية والحيوية كما تصنع الجاهلية المعاصرة حين تفصل العلم عن الدين ثم تضعهما موضع التقابل والتضاد فمن أراد العلم فليترك الدين ومن أراد الدين فليترك العلم!

فالإنسان في عرف الإسلام هو الخليفة في الأرض: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة:30] .

خلق ليعبد الله: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56] .

والعبادة تشمل كل نشاط الإنسان في الأرض: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ} [الأنعام:162 - 163] .

ومن بين العبادة المطلوبة: عمارة الأرض {هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنْ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود:61] .

ومن بينها السعي في الأرض وابتغاء فضل الله: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك:15] .

والعلم أداة ضرورية من أدوات عمارة الأرض والسعي وراء الرزق والقيام بدور الخلافة في الأرض، لذلك فهو مسخر لهذه الأهداف وليس هو هدفًا في حد ذاته.

ثم إن الإنسان كله كما أسلفنا مخلوق للعبادة التي تشمل الاعتقاد في وحدانية الله وتشمل الشعائر التعبدية وتشمل عمارة الأرض وإقامة الحق والعدل فيها باتباع ما أنزل الله: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد:25] .

والعلم -من ثم- بوصفه نشاطًا إنسانيًا هو جزء من هذا المنهج المتكامل -منهج العبادة بمعناها الواسع- يأخذ مكانه في ذلك المنهج ويأخذ ارتباطه ببقية الأجزاء. لذلك لا نعجب حين نجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» [1] .

وإيحاء اللفظ ظاهر .. فليست الفريضة مجرد شيء واجب الأداء فحسب بل إنها -في المصطلح الإسلامي- عبادة يتقرب بها الإنسان إلى الله ويبتغي بها رضاه.

وهذا هو وضع العلم في الإسلام .. عبادة يتقرب بها الإنسان إلى الله ويبتغي بها رضاه!

ولا يحسبن أحد أن هذا القول يتعلق فقط بما يسمى"العلم الشرعي"وإن كان العلم الشرعي فريضة بديهية على كل مسلم ليعرف كيف يعبد الله العبادة الصحيحة ويعرف الحلال والحرام وما ينبغي عمله وما

(1) رواه ابن ماجة وغيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت