النَّجْدَيْنِ [البلد:10] ، {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس:7 - 10] .
فالإنسان في جميع أحواله (يختار) إما طريق الخير وإما طريق الشر، وقد يختار طريق الشر يحسبه طريق الخير فيخسر، ولكن هذا لا ينفي الاختيار من جهة، ولا ينفي لصوق القيمة الخلقية بعمل الإنسان من جهة أخرى.
ليست القضية في الحقيقة هي وجود قيمة خلقية لأعمال الإنسان أم عدم وجودها فذلك أمر لا يشك فيه أحد، إنما القضية هي (المعايير) التي نقيس بها الأخلاق .. من يضعها؟!
أما في ديننا فإن الذي يخلق هو وحده صاحب الأمر .. وهو الله سبحانه وتعالى: {أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} [الأعراف:54] .
ويبين لنا سبحانه وجود ميثاق مأخوذ على الفطرة البشرية أشهدها الله فيه على نفسها: أن الله هو ربها لا شريك له، ثم أرسل رسلًا يأخذون العهد على البشرية بتنفيذ الميثاق.
وأن مقتضى هذا الميثاق أن تعبد الله وتطيعه وأن تتلقى منه وحده المعايير وتلتزم بها.
وأن المؤمنين هم الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق وأن غير المؤمنين هم الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض.
وخلاصة ذلك كله أن الله هو الذي يحدد المعايير الخلقية فيقول وقوله الفصل: هذا حلال وهذا حرام .. هذا حسن وهذا قبيح .. هذا مباح وهذا غير مباح، وأن المؤمنين هم الذين يلتزمون بهذا كله بمقتضى أنهم مؤمنون.
أمر آخر يتعلق بالأخلاق تبدو أهميته بالنسبة للجاهلية المعاصرة بصفة خاصة؛ فالأخلاق ليست مجرد أعراف يصطلح عليها الناس أو العقل الجمعي، وليست مجرد انعكاس لأوضاع مادية متقلبة أو قيم نفعية لتيسير التعامل كما هي في الغرب اليوم، إنما هي ميثاق مع الله بادئ ذي بدء يعمل فيه الخير الذي وصفه الله بأنه خير ويعمل ابتغاء وجه الله لا ابتغاء النفع القريب وإن كان النفع يتحقق بالتزام أوامر الله: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} [الأعراف:96] .
إنها في حس المؤمن (أمانة) تؤدى إلى أهلها: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [النساء:58] .
والأمانة الأولى هي الالتزام بما جاء من عند الله فذلك مقتضى الإقرار بألوهيته، وتحت هذه الأمانة الكبرى تندرج الأمانات الأخرى كلها فيما يتصل بعلاقة الإنسان بنفسه وعلاقته بالناس .. وتلك هي الأخلاق!