وإذا كانت تلك الدرجة التي تحققت بالفعل ذات يوم غير قابلة للتحقيق مرة أخرى، فإنها وجدت -بقدر من الله- لتظل نموذجًا يشد المسلمين إليه ليحاولوا تحقيقه في عالم الواقع.
من هنا يظل لذلك الجيل المتفرد دوره في حياة الإسلام والمسلمين.
وحين يحقق المسلمون الخصائص الرئيسية للوجود الإسلامي في عالم الواقع، فلا عليهم بعد ذلك إن لم يصلوا إلى الدرجة الفذة التي وصل إليها الجيل الأول، فإن مجرد تحقيق الخصائص الرئيسية للوجود الإسلامي -ولو في حدها الأدنى- هو قفزة هائلة إلى أعلى بالنسبة لكل جاهليات التاريخ، بما فيها الجاهلية المعاصرة، بل في مقدمتها الجاهلية المعاصرة!
بل نقول أكثر من ذلك ..
إن حركة البعث الإسلامي المعاصرة هي أقرب الحركات أن تتمثل فيها خصائص ذلك الجيل المتفرد، إن لم يكن على ذات الدرجة من الوفرة وذات الدرجة من التمكن، فعلى درجات قريبة منها على أي حال.
ذلك أن الإسلام اليوم يعيش غربته الثانية التي تحدث عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ» [1] .
فإن لم تكن الغربة الثانية مطابقة تمام المطابقة للغربة الأولى في جميع حيثياتها فإنها ولا شك تشبهها في أمور كثيرة جوهرية، أهمها أن منهج الله ليس هو الذي يحكم حياة الناس، وأن الأمر يحتاج إلى دعوة الناس من جديد إلى الإسلام، لا لأنهم -في هذه المرة- يرفضون أن ينطقوا بأفواههم لا إله إلا الله محمد رسول الله كما كان الناس يرفضون نطقها في المرة الأولى، ولكن لأنهم في هذه المرة يرفضون المقتضى الرئيسي لـ"لا إله إلا الله"، وهو تحكيم شريعة الله والامتثال لمنهج الله. وينطبق عليهم أنهم غثاء كغثاء السيل كما وصف الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم - .. هذا الغثاء يحتاج إلى الانتشال من الجاهلية التي تحيطه وتضغط على حسه بثقل"الأمر الواقع"، ثم تنشئته نشأة جديدة على حقائق الإسلام، ليعيشه بالفعل، لا"ليتحدث"عنه أو"يفكر"فيه أو"يعجب"به أو"يتمناه"، وهو قاعد عن العمل لتحقيقه.
والذي تقوم به حركات البعث الإسلامي اليوم هو هذا في حقيقته .. هو نشأة جديدة في وسط الغربة.
وفيما يلي نحاول أن نبرز السمات الرئيسية للأمة الإسلامية في عهد ذروتها الذي تحقق فيه بالكامل وصف الله لها في كتابه المنزل {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} ولنجعل في بالنا أن الذي نبرزه في هذا العرض السريع هو الخصائص الرئيسية للوجود الإسلامي -اللازمة في ذاتها لكل جيل- ولكن في صورتها الفذة التي حققها ذلك الجيل المتفرد، وأن الأمرين معًا مهمان في هذا العرض، ولكن الأمر الجوهري هو تلك الخصائص الرئيسية، لأنها هي التي يتوقف عليها الوجود الإسلامي الصحيح، وحين انحرف المسلمون عنها تدريجيًا، أصابهم -على المدى- ما هم واقعون فيه اليوم.
(1) رواه مسلم (232) وغيره.