فهرس الكتاب

الصفحة 122 من 209

* ومن الأدلة -وهي كثيرة- على أن هذا النوع من الطوائف تعامل معاملة واحدة بحسب ما اجتمعت عليه، معاملةُ النبي - صلى الله عليه وسلم - لجيش قريش في بدر معاملة واحدة، رغم وجود بعض المكرَهين، وفيهم نزل قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَة فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} .

فقد روى البخاري عن ابن عباس أن ناسًا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثِّرون سواد المشركين على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يأتي السهم فيُرمى به فيصيب أحدهم فيقتله، أو يُضْرَبُ فيُقْتَل، فأنزل الله {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَة ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ... } الآية.

قال ابن كثير: وقال السدي:"لما أُسر العباس وعقيل ونوفل -أي يوم بدر- قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للعباس: افدِ نفسك وابن أخيك فقال:"يا رسول الله، ألم نُصلِّ إلى قبلتك ونشهد شهادتك"قال: يا عباس، إنكم خاصمتم فخُصِمتم، ثم تلا عليه هذه الآية {أَلَم تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَة} إلى آخر الآية، ورواه ابن أبي حاتم."

قال عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب:"من عجز عن الخروج من بين ظهراني المشركين وأخرجوه معهم كرهًا، فحكمه حكمهم في القتل وأخذ المال، لا في الكفر".

قال شيخ الإسلام:"وحيث وجب قتالهم قوتلوا وإن كان فيهم المكره باتفاق المسلمين، كما قال العباس لما أُسر يوم بدر: يا رسول الله، إني خرجت مكرهًا، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «أما ظاهرك فكان علينا وأما سريرتك فإلى الله» " [1] اهـ.

أي أننا في أحكام الفقه من المعاملة والقتال ونحوهما نبني على الظاهر بالنسبة للطائفة التي وضع المرء نفسه تحتها، أما في أحكام التكفير فلا بد من تحقق الشروط وانتفاء الموانع في حق المعين.

ومن الأدلة كذلك حديث الصحيحين: «يَغْزُو جَيْشٌ الْكَعْبَةَ فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنْ الْأَرْضِ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ» ، قالت -أي عائشة راوية الحديث رضي الله عنها-: قلت: يا رسول الله، كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟ قال: «يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ» وهذا لفظ البخاري.

فانظر كيف أن الله عاملهم معاملة واحدة دون تمييز بينهم"يخسف بأولهم وآخرهم"رغم أن فيهم من ليس منهم وفيهم أسواقهم، أي أهل أسواقهم الذين يبيعون ويشترون ولم يقصدوا الغزو.

قال الحافظ في الفتح (4/ 340) :"المراد بالأسواق: أهلُها، أي يخسف بالمقاتلة منهم ومن ليس من أهل القتال كالباعة، وفي رواية مسلم: فقلنا إن الطريق يجمع الناس، قال: نعم، فيهم المستبصر، أي المستبين لذلك القاصد للمقاتلة، والمجبور -بالجيم والموحدة- أي المكره، وابن السبيل أي سالك الطريق معهم وليس منهم"اهـ.

(1) الفتاوى الكبرى (3/ 558) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت