تنشب هذه المجزرة الشنيعة المروعة بين هذين الحلفين الكبيرين من أجل هذا الفتى باريس ينزل ضيفًا على منالوس فيكرمه ويحتفي به ثم ما يلبث الضيف أن يغازل زوج مضيفه. ثم ما هو إلا أن يفر بها بعد تدبير هو اسفل ما عرف في تاريخ الهمجية والقحة!! حقًا، لقد وعدته فينوس قبل أن يقضي لها بالتفاحة المشؤومة أن تمنحه اجمل زوجة وأفتن امرأة. أفلم يكن هذا النذر الإلهي يقضي إلا على هذا النحو؟ والغامض الذي لم يفسره علم الأساطير هو كيف أنه قد ساغ صنع باريس في ذهن أبيه ملك طروادة؟ وكيف رضى بطل عظيم مثل هكتور عن هذه الدعارة التي أثار بها أخوه الحرب بين هذين العالمين؟ قد نلتمس العصبية الجنسية عذرًا واهيًا لهذا الرضى، بيد أنه يكون عذرًا متهدمًا على كل حال
يدرس الإنسان شخصية بريام الملك فيعجب لنبالة الرجل وفطرته التي فطره الله عليها من محبة للعدل وميل إلى الإنصاف وإشفاق على الرعية، فكيف وزن عمل ولده حين أبى أن يأمره برد هيلين إلى زوجها حقنًا لكل تلك الدماء؟! أين المرض إذن؟ أفي رأس بريام وملثه؟ أم هو في رأس هوميروس؟! هنا موضع الضعف في عقدة الإلياذة، وهو ضعف يشبه الضعف في عقدة الأوديسة، حين يجتمع عشاق بنلوب في قصر أودسيوس، وحين تمر عليهم السنون الطوال منتظرين أن تختار منهم رب الدار بعلًا لها، فهم بذلك يشبهون القطط ويحاكون الديكة حين تقتتل على الأنثى. . . هذا ضرب حيواني من تفكير هوميروس يشوه جمال ملحمتيه، ولعل للوثنية نصيبًا كبيرًا في توجيه شاعر الخلود هذه الوجهة. . . ولعل المصريين القدماء لم يكونوا متجنين حين قالوا عن ملاحم اليونانيين أنها نتاج صبياني، ولذا لم يأبهوا لها ولم يعنوا بها برغم ما مدحها لهم صولون
والعجيب في هوميروس أنه لم يبال أن ينحط بالمرأة اليونانية إلى مستوى دون مستوى المرأة الطروادية بمراحل هائلة. . . لقد جعل المرأة اليونانية متاعًا شائعًا وغرضًا تتحيفه لبانات الرجال؛ فهيلين زوجة منالوس ملك أسبرطة تفر مع باريس إلى طروادة دون أن تتأبى أو تتمنع. ثم تشب الحرب بسببها فلا تحاول مرة أن تفر إلى معسكر اليونانيين. بل تظل طوال السنوات العشر متعة حلالًا لباريس، وتنتهي الحرب، وتضطرم النار في كروادة، وتعود هيلين إلى أسبرطا، فلا تثور نخوة منالوس، ولا يضطرب قلبه بقليل من غيرة الرجال