هما هما الاثنان يبعثان الماضي وذكرياته، وها هو مؤنس يشد على يد حسنية في اتقاد، مهيبًا بها أن تنسى الحاضر وأن ترجع بعين الخيال إلى مراتع حبهما، فتزداد التصاقًا به، وتدني فمها من فمه، مغمغمة أسمه المحبوب، القبلة تكاد تتم فصولًا، الحب الهامد يتسرح من جديد و. . . .
ولكن يحدث في هذه اللحظة أن يرتفع خوار العجل أبى شوشة؛ فإذا بمؤنس يجمد في مكانه، وإذا بالقبلة لا تتم، وإذا به يترك حسنية واجمة متعجبة، ويطل من النافذة مناديًا متسائلًا عن صحة العجل العزيز الغالي!!
بادرة عجيبة ولا شك من جانب مؤنس تناقض الواقع الذي كان يعيش فيه منذ لحظة بيان لسانه وكمال وعيه!
ويستدرك مؤنس ما أتاه من غير وعي بهذه البادرة النابية فيعاود الحديث عن الماضي ويستعين عليه في هذه المرة بمطالعة بعض صور فتوغرافية قديمة تمثله مع حسنية في مواقف عديدة. ويبدو للقارئ أن مؤنس يحاول لاهثًا أن يستمد من هذه الصور إنقاذًا لمخيلته ويقظة لحسه. وتقع يد حسنية بين هذه الصور على رسم للعجل أبى شوشة فتتبرم؛ ثم لا تلبث أن تزداد عجبًا على عجب، إذ ترى مؤنس يأخذ بأسباب سرد مشرق عن ولادة العجل وحياته الأولى.
وهكذا يبدو مؤنس متطوحًا بين (الماضي) الذي يشده بعيني حسنية، وبين (الحاضر) الذي يجتذبه بجوار أبى شوشة.
ولا تجد حسنية موضوعًا للحديث غير الكلام عن الطقس. ويفطن مؤنس إلى ذلك فيعتصر حسه من جديد ويأخذ في إطراء مفاتن حسنية، فينشط حس المرأة أمام هذا الإطراء فلا تتوانى عن أن تعرض عليه أن يحضر الحفلة التي ستقيمها في القاهرة بمناسبة عيد ميلادها، ولا تتحرج عن أن تناشده معاودة حياته الأولى في ظل حبها.
مؤنس ينقاد إلى حديثها في شبه حلم لذيذ وقد غمره الماضي، فلا نلبث أن نسمعه متبرمًا بحاضره. وها هو أخيرًا يقرر في نبر صوتي متقد أنه سيعود إلى القاهرة، وأنه سيحضر حفلة عيد ميلادها. . . وأن الإنسان في وصفه أن يحقق ما يريد إذا صح عزمه على ذلك.
وإذ هما يحتضنان، يرن صوت الخادم وقد أقبل نحوهما. . . الخادم يدخل فرحًا معلنًا أن