يردد اللوم لها على كثير من العيوب في حياتها القلقة. في أمسية ساهرة، وجدت امرأة أيم - هذه الفتاة العابسة الشاردة، فأخذت تعزيها بكلمات لطيفة، وفي هذه الساعة تحدث الأيمان وشكا كلاهما للأخر ما عنده، وأذاع الرجل عليها قصة حياته كلها، وما ساقه إليه القدر، فاهتمت بحديثه اهتمامًا شديدًا وأقبل بقلبه وعاطفته. حتى ليظن الناظر أن القدر لم يجمع بينهما باطلًا، وإنما لأمر يريده في الجمع بينهما، وفي الغد ركبت المرأة العجلة، وكان يساعدها على الركوب، وإن الآذان لتنتظر منهما الكلمة التي يجب أن تجمع ما بينهما، ولكن لم يقل واحد هذه الكلمة. انطلقت العجلة ولبث الرجل جامدًا كالتمثال. ينظر بعاطفة فيها فرح وألم إلى الطريق البعيدة التي توارت عليها السعادة التي فرت من بين يديه منذ قليل.
وقصة (الغارة) تقدم لنا مثلاُ لعاطفة الخوف الحادة التي تغزو فجأة نفس فتى متكبر اصطدم ببعض الحقائق. فالطالب (فاسيليف) وهو ذو طبيعة حادة دخل للمرة الأولى بيت الهوى ولكنه لم يستطع أن يتحمل التأثيرات المرهقة التي كان يكابدها؛ وغزت رأسه أفكار مظلمة أحاطت به من كل مكان. فكان يصيح آخذًا برأسه: (أحياء. . . أحياء. . . لو حطمت هذا المصباح لوجدتم أن في هذا شرًا، ولكن - هنالك - ليست المصابيح هي التي تحطم، ولكن حيوات الخلائق البشرية. . . أحياء) ثم أخذ يفكر في وسائل استنفاذ هؤلاء المنكوبات، ويبدو له أن يجلس على قارعة الطريق مخاطبًا كل عابر: (إلى أين تمضي؟ ولماذا؟ إخش الله؟) لكن هذه الفكرة سرعان ما غلب عليها الألم والريبة من نفسه، وزاد عليه الألم حتى سحق قلبه، ولكن فتيان مجتمعه لم يتألموا من أجله، وإنما كانوا يعربون غير ملتفتين إليه. فأحس الطالب أن عقله يفلت منه. فقيدوه حتى إذا ما شفى مما هو فيه ذكر عواطفه الأولى، وخجل منها، وهكذا حطم مذهبه، وخفق حلمه.
في الأوساط الاجتماعية، ومرابع العمال يكاد الإنسان يبدو أكثر ابتعادًا عن الأثواب السطحية والمظاهر الكاذبة. فإن المكافحة المتواصلة ضد الفقر لم تترك فرصة لغيرها. الحياة قاسية تحطم بلا رأفة أحلام السعادة، ولا ندع للإنسان - على الأغلب - رفيقًا يقاسمه أثقال الهموم والرزايا حتى الصغيرة منها. وقصة السائق تعطينا مثلًا لهذه العزلة، هذا السائق المعدم فقد ولده فلم يأنس في نفسه القدرة على احتمال هذه المصيبة. ووجد فيها ما