ولا أحد ينكر أن علم الأصوات اللغوية المعاصر يقدم لنا الحقائق الصوتية من خلال أجهزة دقيقة لقياس الصوت وتوضيح طبيعة تكونه أو نطقه، مما يعتبر ثورة حقيقية في منهج دراسة هذا العلم وفي وسائله، ولكن ذلك كله لم يقدم لنا نتائج نهائية تخالف ما قدمه لنا علماء التجويد، معتمدين على
ملاحظاتهم الذاتية، وعلى الأخص فيما يتعلق باللغة العربية، وتكاد القضايا التي يمكن أن تكون موضع موازنة بين علم التجويد والدراسات الصوتية العربية القديمة وبين علم الأصوات اللغوية المعاصر تنحصر في أمور هي:
1 -تعريف الحرف (أو الصوت) المجهور، فالتعريف الذي أورده ابن الجزري، وهو في الأصل تعريف سيبويه، عن على المحدثين إدراك معناه، واستعانوا بالدراسات الصوتية الحديثة في تعريف الحرف المجهور بأنه «الذي يهتز معه الوتران الصوتيان» [1] ، وبعكسه الصوت المهموس.
2 -وصف الهمزة والطاء والقاف بأنها أصوات مجهورة عند القدماء من علماء العربية والتجويد، وهي ليست كذلك عند المحدثين، ويعلل بعض المحدثين هذا الاختلاف بأمور منها أن هذا الاختلاف في وصف هذه الأصوات مصدره التطور الذي أصاب هذه الأصوات، خاصة الطاء والقاف [2] .
وقد لاحظ ذلك بعض المتأخرين من علماء التجويد قبل المحدثين، قال ملا حسين بن اسكندر الرومي الحنفي (ت 1084هـ) في كتابه (بيان المشكلات على المبتدئين من جهة التجويد) : «فان قيل ما فائدة الصفات؟
أجيب: فائدتها تمييز الحروف المشاركة في المخرج، ولولاها لا تحدث أصواتها ولم تتميز ذواتها، ولولا الأطباق لصارت الطاء تاء، لأنّهما ليس بينهما فرق إلا في الإطباق» [3] ، وهذا يعني أن الطاء مهموسة عند الميداني، ولكن سيبويه كان قد نص قديما على أنه «لولا الاطباق لصارت الطاء دالا» ، وهو أمر يدل على أن الطاء مجهورة عنده، وهو ما صرح به في موضع آخر [4] .
(1) إبراهيم أنيس: الأصوات اللغوية ص 20وينظر: كمال محمد بشر: الأصوات
(2) ينظر المصدران السابقان على التوالي ص 63و 85و 90وص 130وما بعدها.
(3) ينظر: بيان المشكلات، نسخة مكتبة المتحف العراقي رقم 7105/ 2وهي غير مرقمة الأوراق.
(4) الكتاب 4/ 434و 436.