أما المتخصصون بدراسة الأصوات العربية من اللغويين المحدثين فهم أشد بعدا عن كتب علم التجويد وأكثر جهلا بما فيها، ولعل صورة علم التجويد
التي عرفوها في الرسائل التعليمية المتأخرة هي التي صرفتهم عن هذا العلم وكتبه.
ومن هنا ظلت كتب علم التجويد منسية بشكل كبير، ولم ينشر من تلك الكتب نشرة علمية محققة بقدر ما علمت إلا كتاب (الرعاية لتجويد القراءة وتحقيق لفظ التلاوة) لأبي محمد مكي بن أبي طالب القيسي القيرواني الأندلسي (ت 437هـ) ، الذي قام بنشره في دمشق الدكتور أحمد حسن فرحات سنة 1973م، وإلا كتاب (تنبيه الغافلين وإرشاد الجاهلين عما يقع لهم من الخطأ حال تلاوتهم لكتاب الله المبين) لأبي الحسن علي بن محمد النوري الصفاقسي (ت 1118هـ) الذي قام بنشره في تونس سنة 1974م محمد الشاذلي النيفر.
وكانت صلتي تزداد بكتب علم التجويد، ومعرفتي بها تتسع، من خلال تتبعي الدائم لمخطوطات هذا العلم في فهارس المكتبات، حتى حصلت لديّ قناعة كاملة في أن كتب هذا العلم القديمة تستحق كل جهد من أجل نشرها محققة، وأن هذا العمل له فوائد كبيرة ترتبط بقراءة القرآن من جهة وبعلم الأصوات اللغوية العربية من جهة أخرى، ومن ثمّ بدأت السير في هذا الطريق [1] .
وقد اخترت كتاب (التمهيد في علم التجويد) لتحقيقه ونشره لأن الكتاب جمع خلاصة الكتب السابقة له في علم التجويد، فضم نصوصا من كتب بعضها مفقود وبعضها لا يزال مخطوطا ولأنه من تأليف الإمام
(1) يمكن أن أذكر هنا أني قمت بتحقيق قصيدة أبي مزاحم موسى بن عبيد الله بن يحيى الخاقاني البغدادي المتوفى سنة 325هـ التي قالها في حسن أداء القرآن، وقد نشرت في مجلة كلية الشريعة بجامعة بغداد العدد السادس (1980م) ضمن بحث (علم التجويد: نشأته ومعالمه الأولى) . وكذلك قمت بتحقيق كتاب (التنبيه على اللحن الجلي واللحن الخفي) لأبي الحسن علي بن جعفر الرازي السعيدي، المتوفى بعد سنة 410هـ، وسوف ينشر، إن شاء الله تعالى، في مجلة المجمع العلمي العراقي.