النوع الثالث من المنهي عنه ما أشار إليه بقوله: (وَكَذَا) يعني: مثل ما سبق .. أنه يقتضي فساد المنهي عنه.
(لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ) في المنهي عنه.
يعني: أن يكون لأمرٍ خارجٍ غير لازم له، الأول: لوصفه اللازم، هذا كذلك لخارجٍ لكنه ليس لازمًا. يعني: يمكن أن ينفك عنه.
قال: {وَكَذَا لَوْ كَانَ النَّهْيُ عَنْ الشَّيْءِ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ} في المنهي عنه {كَالنَّهْيِ عَنْ عَقْدِ بَيْعٍ بَعْدَ نِدَاءِ جُمُعَةٍ} . هذا منهيٌ عنه. يمكن أن ينفك؟ يمكن أن ينفك، لكن عقد البيع بعد نداء الجمعة انفكاكه لا في المنهي عنه، المنهي عنه جامعًا لأمرين:
أولًا: إيقاع عقد.
ثانيًا: في زمن معين.
فحينئذٍ نقول: هذا هو المنهي عنه .. المركب من اثنين، عقد أو على الخلاف النكاح وغيره، وقع بعد النداء الثاني، حينئذٍ أين يُتصور الانفكاك؟
نقول: نعم يوجد النداء ولا بيع، ويوجد البيع لا بعد النداء، لكن هل هو الصيغة المنهي عنها؟ الجواب: لا.
وحينئذٍ يمتنع الانفكاك، ولذلك حُكم هذه الأنواع الثلاثة: لعينه، أو لوصفه الخارج عنه اللازم له، أو لوصفه الخارج ليس اللازم. كلها الحكم واحد.
لأنه يمتنع انفكاك الجهة، والقول بانفكاك الجهة نعم يمكن أن يتصور، لكنه في الذهن لا في الخارج.
وإنما جاء الشرع معلِّقًا الحكم بما في الخارج فحسب، فحينئذٍ يقال: هذا العقد الذي وقع بعد نداء الجمعة ما حكمه؟ منهيٌ عنه، النهي يقتضي فساد المنهي عنه.
قالوا: لا. العقد صحيح مع الإثم؛ لأن الجهة منفكة.
نقول: أين انفكاكها؟ هذا العقد وقع في زمنٍ معين فُكَّه في الوجود، لن يفكه إلا في الذهن؛ لأنه: زيدٌ باع بعد نداء الجمعة الثاني -احترازًا عن الأول- .. زيدٌ من الناس أوقع بيعًا معينًا، حينئذٍ جزئي في جزئي، أين هو؟ في الخارج، فكيف تفكه؟ الانفكاك يكون في الذهن، ففرقٌ بينهما.
انتبه لهذا! لأن بعضهم يلتبس عليه الأمر.
قال هنا: (لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ) في المنهي عنه كَالنَّهْيِ عَنْ عَقْدِ بَيْعٍ بَعْدَ نِدَاءِ جُمُعَةٍ.
وَكَالْوُضُوءِ بِمَاءٍ مَغْصُوبٍ. فإن المنهي عنه لأمرٍ خارج عنه وهو الغصب؛ لأنه ينفك بالإذن من صاحبه، أو الملك ونحوه، وهذا الصحيح من المذهب أنه كالذي قبله.
فلو توضأ بماء مغصوب فحكم الوضوء لا يصح؛ لأنه منهيٌ عنه .. نُهي عن هذا الوضوء.
ونحن نقول مثله: النهي عن استعمال الماء الذي يُعد وقفًا، الحكم واحد لا فرق بينهما.
الماء قد يوقف ويُجعل للشرب فقط، للشرب يكتب عليه.
إذا توضأ به هذا غصبٌ له، يعتبر استعمالًا لماء غير مباح، وإذا استعمل الماء غير المباح فوضوءه باطل، وبعضهم استشكل هذا في المسجد الحرام، كيف يتوضأ في داخل؟ هنا يُرجع إلى المسئولين، هل يأذنون أو لا؟
لأن الوقف هنا تابعٌ لهم، إن أذنوا حينئذٍ لا بأس به، وإن منعوا فالوضوء باطل رضيتَ أو لم ترضَ .. الحكم واحد هنا.
الوضوء بالماء المغصوب يعني: الوضوء بماء غير مباح، هذا المراد منه.
ولم يأذن الباري جل وعلا إلا بماءٍ مباح (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ) ) [المائدة:6] بماء تسرقه من عند الجيران .. يصح؟ لا يصح.