فهرس الكتاب

الصفحة 1001 من 1890

إذًا: كل ماءٍ ليس مباحًا حينئذٍ نقول: الوضوء به باطل؛ لأنه منهيٌ عنه، فلو اغتصب الماء فهو منهيٌ عنه، لو توضأ بماء لم يؤذن له فيه، فحينئذٍ نقول: هذا منهيٌ عنه.

مثله الوقف للشرب، ومثله ماء زمزم في داخل الحرام أو في غيره.

{وَكَالْوُضُوءِ بِمَاءٍ مَغْصُوبٍ يَعْنِي: فَإِنَّهُ يَقْتَضِي فَسَادَهُ عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ رحمه الله تعالى وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالظَّاهِرِيَّةِ وَالْجُبَّائِيَّةِ. وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الأَكْثَرُ} .

هنا جاءت مسألة انفكاك الجهة، هذه المسألة هي التي يقع فيها نزاع كبير، وهي أن الوصف هنا لخارجٍ ليس بلازم. ليس بلازم يعني: ينفك عنه.

الأول: وصفٌ لازم لا ينفك، وهذا لا إشكال فيه، الأكثر على أنه يقتضي الفساد.

الثاني هذا (لِمَعْنًى) يعني: لوصفٍ خارجٍ ينفك، غير لازم، حينئذٍ قالوا: هذا -أكثر الفقهاء والمتأخرون- على أنه لا يقتضي الفساد؛ لأنه ينفك عنه.

ونرد عليه بما رددنا عليه سابقًا في مسألة الصلاة في الدار المغصوبة: أن الانفكاك إنما يكون في الذهن لا في الخارج، والحكم إنما يتعلق بالأمر الخارج لا بالموجودات الذهنية. انتبه لهذا .. لا يلتبس عليك.

بعض أهل العلم التبس عليه هذه المسألة وهي: أن الانفكاك إنما يكون في الذهن لا في الخارج؛ لأن الصورة الخارجية جزئية، الانفكاك يتصور في الكلي لا في الجزئي، والكلي وجوده ذهني والجزئي وجوده في الخارج.

فحينئذٍ زيدٌ من الناس باع بعد نداء الجمعة الثاني .. زيدٌ من الناس .. هذه الصورة الآن كيف تفكها؟ ما يتصور الانفكاك فيها .. لا يمكن.

إن تصورت الانفكاك جوزت زيدًا يبيع ويشتري بعد العصر، وجوزت أن يكون النداء الثاني ولم يشتر زيد. هذا لا وجود له .. لم يقع، إنما الذي وقع هو التلبس بالفعل، فالانفكاك لا وجود له وإنما هو شيءٌ افتراضي يكون في الذهن فحسب.

فلا يلتبس عليك الأمر، فقد التبس على بعض أهل العلم.

{قَالَ الآمِدِيُّ: لاَ خِلافَ أَنَّهُ لا يَقْتَضِي الْفَسَادَ إِلاَّ مَا نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ} .

إذا نُقل عن مالك وأحمد ودل الدليل على ذلك يكفي، أما النفي بأنه لا خلاف نقول: لا. العبرة بالنص، فإذا ثبت النص مع فهم الصحابة فحينئذٍ هو المعتمد. خالف المتأخرون أم وافقوا كان الأكثر على الخلاف .. هذا لا عبرة به البتة.

{وَلاَ فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلاتِ} .

إذًا: في هذه الأحوال الثلاث: المنهي عنه إما لعينه، أو لوصفه الخارجي اللازم له، أو لوصفه الخارجي غير اللازم له.

في الأحوال الثلاثة قاعدة المذهب: أن النهي يقتضي الفساد.

ولذلك يُعبّر عنه: مطلق النهي يقتضي فساد المنهي عنه مطلقًا، الإطلاق هنا المراد به: لعينه، أو لوصفه اللازم، أو غير اللازم .. الذي ينفك.

قال: (لاَ عَنْ غَيْرِهِ) هذه المحل الذي استثناه المصنف وهو قاعدة المذهب.

بمعنى أنه قد يكون النهي هنا لحق الآدمي لا لذات الصيغة .. العقد ونحوه.

فحينئذٍ هذه الصور جاء في بعضها نصوص تدل على الصحة، فهي التي تستثنى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت