{فَيَكُونُ النَّهْيُ عَنْهُمَا جَمِيعًا} على انفرادٍ، {وَإِنْ نَصَبْت الثَّانِيَ مَعَ جَزْمِ الأَوَّلِ كَانَ مُتَعَلِّقُ النَّهْيِ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا, وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرُ مَنْهِيٍّ عَنْهُ} هذا إن نصبتَ {بِانْفِرَادٍ, وَإِنْ جَزَمْت الأَوَّلَ وَرَفَعْت الثَّانِيَ كَانَ الأَوَّلُ مُتَعَلِّقَ النَّهْيِ فَقَطْ} لا تأكل السمك. فحينئذٍ الثاني لك شرب اللبن.
{وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلامِ عَلَى الأَمْرِ وَالنَّهْيِ اللَّذَيْنِ حَقُّهُمَا التَّقْدِيمُ لِتَعَلُّقِهِمَا بِنَفْسِ الْخِطَابِ الشَّرْعِيِّ} كما مر بذات اللفظ لا بالمدلول والدلالة {شَرَعَ فِي الْكَلامِ عَلَى الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ الْمُتَعَلِّقَيْنِ بِمَدْلُولِ الْخِطَابِ بِاعْتِبَارِ الْمُخَاطَبِ بِهِ} .
يعني: النظر في الأمر والنهي لذات اللفظ، والبحث في العموم والخصوص لمتعلَّق العام والخاص، وهو المخاطب بذلك النص.
قَال: (بَابٌ الْعَامُّ لَفْظٌ دَالٌّ عَلَى جَمِيعِ أَجْزَاءِ مَاهِيَّةِ مَدْلُولِهِ) .
العام في اللغة: هو الشامل والعموم هو الشمول، العام مأخوذٌ من الشمول.
حينئذٍ نقول: العام هو الشامل. هذا الأصل في المعنى اللغوي، والشمول: هو الاستغراق. وهذا مناسبة المعنى الاصطلاحي للمعنى اللغوي.
العام المشهور تعريفه: بأنه لفظٌ يستغرق الصالح له من غير حصرٍ.
"لفظ"هذا جنس دخل فيه العام والخاص، ثم فيه بيان أن العام وصفٌ للألفاظ. يعني: احترازًا عن المعاني فهو مجازٌ فيها كما سيأتي؛ لأن العموم من عوارض الألفاظ وليس من عوارض المعاني.
قال: (لَفْظٌ) والمراد به: اللفظ الواحد.
يعني: لا يُفهم الاستغراق من متعددٍ: ضرب زيدٍ عمرًا. هذا التركيب دل على متعددٍ، لكن ضرب دل على شيء وزيدٌ دل على شيء، وعمرو دل على شيء، لكن لا بلفظ واحد وإنما بثلاثة ألفاظ، والعام إنما يكون عامًا بلفظ واحد.
إذًا: (لَفْظٌ) يُعنى به الواحد للاحتراز عن الألفاظ المتعددة الدالة على أشياء متعددة."يستغرق الصالح له". يعني: لما يصلح أن يدخل تحته، خرج به النكرة في سياق الإثبات، أنها لا تعم وإن كانت جمعًا، جاء رجالٌ لا يعم، فالنكرة في سياق الإثبات لا تعم هذا الأصل فيها، ولو بصيغة الجمع، إلا إذا كانت في سياق الامتنان (( وَفَاكِهَةً وَأَبًّا ) ) [عبس:31] فَاكِهَةً هنا دل على العموم، لأنه في سياق الامتنان؛ إذ لا يصلح الامتنان إلا بالاستغراق، وأما ما عدا ذلك فالأصل فيها أنها لا تفيد العموم.
"من غير حصرٍ"احترزوا به من أسماء العدد، فإنها تتناول متعدد لكنها مع الحصر.
فإنها متناولة لكل ما يصلح له لكن مع الحصر؛ بناء على أنها ليست بعامة وهو المعروف، زاد بعضهم على هذا الحد المشهور: لفظٌ يستغرق الصالح له من غير حصرٍ، وهو ما قدمه في جمع الجوامع: بوضعٍ واحدٍ. يعني: قد يستغرق اللفظ متعددًا لا بوضع واحد مثل: المشترك.
المشترك يشمل ويستغرق لما يصلح أن يدخل تحته لكن بوضعٍ متعدد.
كذلك الحقيقة والمجاز، فالأسد مثلًا له متعدد، لكن باعتبار الحقيقة والمجاز، والحقيقة موضوعة والمجاز موضوع.