فالتحريم له هنا مناطٌ وهو الهيئة الاجتماعية، فيحرم الجمع بينهما، ويجوز له فعل أحدهما {أَيِّهَا شَاءَ عَلَى انْفِرَادِهِ كَالْجَمْعِ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ، وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا} وهكذا.
(وَفَرْقًا) {وَهُوَ النَّهْيُ عَنْ الاِفْتِرَاقِ دُونَ الْجَمْعِ. كَالنَّهْيِ عَنْ الاقْتِصَارِ عَلَى أَحَدِ شَيْئَيْنِ} .
نحو النعلان: ُيلبسان أو يُنزعان، حينئذٍ قال هنا: (فَرْقًا) جاء النهي عن الافتراق دون الجمع، يَجمع بينهما في اللبس، أو يجمع بينهما في الخلع، لكن أن يلبس الأخرى وينزع الثانية هذا منهيٌ عنه.
ولذل قال: (فَرْقًا) {وَهُوَ النَّهْيُ عَنْ الافْتِرَاقِ دُونَ الْجَمْعِ. كَالنَّهْيِ عَنْ الاقْتِصَارِ عَلَى أَحَدِ شَيْئَيْنِ. نَحْوَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ هُنَا التَّفْرِيقُ بَيْنَ حَالَتَيْ الرِّجْلَيْنِ، لاَ عَنْ لُبْسِهِمَا مَعًا، وَلا عَنْ تَحْفِيفِهِمَا -يعني: خلعهما- مَعًا. وَلِذَلِكَ قَالَ: } .
قال: (وَجَمِيعًا) .
يعني: {وَيَكُونُ النَّهْيُ أَيْضًا عَنْ مُتَعَدِّدٍ جَمِيعًا} أي: عن كل واحدٍ سواء أتى به مع صاحبه أو منفردًا.
{وَمِنْ أَمْثِلَةِ النَّهْيِ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَغَيْرِهَا: لاَ تَأْكُلِ السَّمَكَ وَتَشْرَبْ اللَّبَنَ} .
يعني: ليس له مثال في الشرع، وإنما هو مثالٌ في اللغة: لاَ تَأْكُلِ السَّمَكَ وَتَشْرَبِ اللَّبَنَ. كيف هنا نهى عن الجمع؟
لا تَأْكُلِ السَّمَكَ. هذه لا ناهية، وتأكل هذا فعلٍ مضارع مجزوم بلا الناهية. إذًا: منهيٌ عنه.
وَتَشْرَبِ اللَّبَنَ. تشرب هذا مجزوم، والواو هنا عاطفة .. عطف الفعل على مدخول لا.
إذًا: لا تجمع بينهما، لو قال: لاَ تَأْكُلِ السَّمَكَ وَتَشْرَبَ اللَّبَنَ.
قال هنا: {وَيَكُونُ النَّهْيُ أَيْضًا عَنْ مُتَعَدِّدٍ جَمِيعًا} أي: عن كل واحدٍ، هو ما أراد الجمع هنا، أراد عن كل واحدٍ منهما، لو قال في جملة واحدة: لاَ تَأْكُلِ السَّمَكَ وَتَشْرَبِ اللَّبَنَ، صح المثال لما ذكره المصنف؟ صح؛ لأنه أراد بالتركيب النهي عن أكل السمك فقط ولو لم يشرب اللبن. والنهي عن شرب اللبن ولو لم يأكل السمك، هذا المراد.
وأما إذا نصبت وتشربَ صار الجمع، وله أكل السمك على انفراد وشرب اللبن هذا المراد، لكن ليس مراد المصنف هذا، المراد هنا: ليس الجمع، المراد النهي عن كل واحدٍ بانفراده، ولا يتأتى ذلك إلا في الجزم؛ لأن: لا تأكل هو الذي يكون صيغة نهيٍ.
{فَإِنَّك إنْ جَزَمْت الْفِعْلَيْنِ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا مُتَعَلِّقَ النَّهْيِ} . وهو كذلك.