{وَكِلاَ اللَّفْظَيْنِ, بِمَعْنًى وَاحِدٍ. لَكِنْ مَا قُلْنَاهُ أَوْضَحُ} هكذا قال الشارح {وَمَا فِي التَّحْرِيرِ حَكَاهُ عَنْ الْعَسْقَلاَنِيِّ شَارِحِ الطُّوفِي} .
يعني: قولنا: الوصف المحيط بموصوفه، أو الوصف المحيط بمعناه بمعنى واحد، ولكنه اختار العبارة هذه ليدل على معنًى آخر، هذا التعريف هو الذي ذكره المصنف رحمه الله تعالى بناءً على أن الحد بهذا المعنى.
قال: (وَهُوَ أَصْلُ كُلِّ عِلْمٍ) يعني: الحد أَصل كل علم، يعني: لا يقوم علم .. كما أخذناه في المقدمة: لا يمكن أن يتصور الناظر في علم ما إلا إذا عرف حقيقته، ومعرفة الحقائق إنما تكون بالحدود والتعريفات، ولذلك سمي تعريفًا قالوا: لكونه يعرِّف يعني: يكشف عن الحقائق ويكشف الماهيات.
(وَهُوَ أَصْلُ كُلِّ عِلْمٍ)
{قَالَ الْفَخْرُ إسْمَاعِيلُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْبَغْدَادِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا: الْحَدُّ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَصْلُ كُلِّ عِلْمٍ فَمَنْ لاَ يُحِيطُ بِهِ عِلْمًا لاَ نَفْعَ لَهُ} وفي شرح التحرير: لا ثقة له {بِمَا عِنْدَهُ، وَقَالَهُ أَيْضًا غَيْرُهُ. وَهُوَ صَحِيحٌ} .
إذًا: أصل كل علم هو حده، لا بد من معرفته من أجل أن ينطلق الطالب في النظر فيه.
بعدما بين حقيقة الحد، قال: (وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مُطَّرِدًا مُنْعَكِسًا) هذان شرطان، وبعضهم يجعلهما شرطًا واحدًا كما جعله المصنف هنا (وَشَرْطُهُ) أي: شرط صحة الحد، ليس كلما ادعي أن هذا حد قبل، فلا بد من شروط واضحة بينة قعَّدها وأصلها المناطقة في هذا الباب، منها قال: (أَنْ يَكُونَ) يعني: الحد (مُطَّرِدًا) واختُلف في تفسير الاطراد، واختار المصنف هنا المشهور عند الجمهور (وَهُوَ الْمَانِعُ) .
(وَهُوَ) الطرد، ما معنى الطرد؟ قال: (الْمَانِعُ) مانع من ماذا؟ من دخول غير أفراد المحدود في الحد، مانع يدفع، فحينئذٍ حصل المنع بماذا؟ بمنع ودفع دخول غير أفراد المحدود في الحد.
(أَنْ يَكُونَ مُطَّرِدًا وَهُوَ الْمَانِعُ) .
قال في تفسيره: {وَالْمَانِعُ هُوَ الَّذِي} (كُلَّمَا وُجِدَ، وُجِدَ الْمَحْدُودُ) .
(كُلَّمَا وُجِدَ) الضمير هنا يعود إلى الحد، ولذا أفصح عنه الشارح.
(كُلَّمَا وُجِدَ) الحد (وُجِدَ الْمَحْدُودُ) فلا يدخل فيه شيء من غير أفراد المحدود، نحو: كلما وجد الحيوان الناطق وجد الإنسان، (كُلَّمَا وُجِدَ) الحد (وُجِدَ الْمَحْدُودُ) كلما وجد الحيوان الناطق وجد الإنسان .. هكذا.
فهذا الحد مطرد أي: مانع من دخول غير الإنسان فيه، ولو قيل: كلما وجد الحيوان وجد الإنسان صح؟ لا يصح، كلما وجد الحيوان الناطق وجد الإنسان، لكن كلما وجد الحيوان وجد الإنسان هذا ليس بصحيح، لماذا؟ لأنه لا يلزم من وجود الحيوان وجود الإنسان؛ لأنه قد يوجد بالفرس.
فلو عرّفت الإنسان، قلت: الإنسان ما هو الإنسان؟ قال: حيوان، ليس بصحيح، لماذا؟