{إذَا قَالَ: مَنْ دَخَلَ دَارِي فَأَعْطِهِ دِرْهَمًا} هذا عامٌ في الأشخاص، عامٌ في الأزمان .. في كل زمن.
يعني: في أي زمنٍ .. يعم جميع الأزمان، وكذلك في أي بقعة وقعت قدم من داره لا في جزءٍ دون جزء.
كذلك في أي صفة وقع بها الدخول: دخل يحبو، دخل على قدمٍ، دخل على قدمين، دخل على يدين، دخل بطائرة، دخل بسيارة .. كل ذلك عام؛ لأن اللفظ عامٌ في الذوات فيلزم منه العموم في الأحوال والصفات التي يقع بها الدخول، وفي أي زمنٍ كان، وفي أي بقعة من الدار كان، هذا نقول عام.
قال هنا: {فَتَقْتَضِي الصِّيغَةُ الْعُمُومَ فِي كُلِّ ذَاتٍ صَدَقَ عَلَيْهَا أَنَّهَا الدَّاخِلَةُ، فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: هُوَ مُطْلَقٌ فِي الأَزْمَانِ فَأَعْمَلُ بِهِ فِي الذَّوَاتِ الدَّاخِلَةِ الدَّارَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ مَثَلًا، وَلا أَعْمَلُ بِهِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْوَقْتِ؛ لأَنَّهُ مُطْلَقٌ فِي الزَّمَانِ، وَقَدْ عَمِلْت بِهِ مَرَّةً، فَلا يَلْزَمُ أَنْ أَعْمَلَ بِهِ أُخْرَى لِعَدَمِ عُمُومِ الْمُطْلَقِ} .
هذا الذي ينبني عليه، وهذا باطل لا شك فيه؛ لأن جميع النصوص الواردة في الكتاب والسنة: فاقتلوا المشركين. متى؟ في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، انتهى وضعه، لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قتل، وحينئذٍ حصل المطلق في الزمن .. في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فنحتاج إلى دليل آخر يدل على التعميم.
{قُلْنَا لَهُ: لَمَّا دَلَّتْ الصِّيغَةُ عَلَى الْعُمُومِ فِي كُلِّ ذَاتٍ دَخَلَتْ الدَّارَ، وَمِنْ جُمْلَتِهَا الذَّوَاتُ الدَّاخِلَةُ فِي آخِرِ النَّهَارِ} .
بأي دليلٍ أخرجتها؟ نحتاج إلى دليلٍ مخصِّص؛ لأنه عامٌ في الذوات، فقلنا: الذوات لا يمكن إخراجه؛ لأن اللفظ وضع لها، حينئذٍ الذوات التي دخلت في أول النهار أدخلتها، والذوات التي دخلت في آخر النهار أخرجتها. أين المخصِّص؟ ليس عنده مخصصٌ البتة.
{وَمِنْ جُمْلَتِهَا الذَّوَاتُ الدَّاخِلَةُ فِي آخِرِ النَّهَارِ، فَإِذَا أَخْرَجْت بَعْضَ تِلْكَ الذَّوَاتِ، فَقَدْ أَخْرَجْت مَا دَلَّتْ الصِّيغَةُ عَلَى دُخُولِهِ وَهِيَ كُلُّ ذَاتٍ} هذا الأصل فيها.
فكل ذاتٍ اتصفت بالدخول في أول النهار أو في آخره فهي داخلة بدلالة اللفظ عليها، ولا يُخرج ذاتٌ إلا بمخصِّصٍ ولا مخصص، فأين المخصص؟
ثم أورد ابن دقيق العيد: {وَقَوْلُ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَقَدِمْنَا الشَّامَ فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ قَدْ بُنِيَتْ نَحْوَ الْقِبْلَةِ، فَنَنْحَرِفُ عَنْهَا وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ} هذا يدل على ماذا؟
على أن النهي الوارد عن استقبال القبلة حال قضاء الحاجة يعم؛ لأن هذا بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وليس في البقعة التي قالها النبي صلى الله عليه وسلم وهي المدينة، بل في الشام، فعمم المكان -البقاع- وعمم الزمان.
وأبو أيوب هذا قال هنا: {يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَامَّ فِي الأَشْخَاصِ عَامٌّ فِي الْمَكَانِ} .
وأبو أيوب أقرب فهمًا من القرافي وغيره.