ولذلك بعضهم عبَّر عن"من"هنا أنها لعالم. يعني: تستعمل في العالم، ولا شك أن الباري جل وعلا متصفٌ بصفة العلم فهو عليمٌ، وكذلك هو عالمٌ حينئذٍ لا إشكال فيه.
إذًا: (كَمَنْ فِي عَاقِلٍ) وعبَّر بعضهم بالعالم من أجل أن تعم الباري جل وعلا.
{نَحْوَ قَوْله تَعَالَى: (( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ) )} هذه شرطية.
(( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ) )من هذه اسم شرطٍ وهي في محل رفع مبتدأ هنا؛ لأن الفعل متعد واستوفى مفعوله، حينئذٍ تكون في محل رفع مبتدأ.
وهنا عمومها في الأشخاص، وفي الأزمان، وفي الأماكن، والبقاع .. على ما مر بيانه.
كل شخصٍ يحصل منه هذا الوصف وهو التقوى، حينئذٍ يترتب عليه الجواب: (( يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ) ).
(( وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ) )كسابقها .. هي من هنا شرطية.
(( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ) )كذلك هي شرطية.
{وَتَقُولُ فِي الاسْتِفْهَامِ: مَنْ الَّذِي عِنْدَك؟} .
حينئذٍ نقول هذه استفهامية وهي تفيد العموم.
قوله: (( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ ) )واضحة العموم فيه، أن الأشخاص الذين اتصفوا بصفة التقوى متعددون، فحينئذٍ لا إشكال فيه، لكن من الذي عندك؟ يقول الجواب: زيد، حينئذٍ كيف يكون الاستفهام مفيدًا للعموم؟
نقول: نعم هو مفيدٌ للعموم؛ لأنه مستغرق، فحينئذٍ بقطع النظر عن الجواب: من الذي عندك؟ يصدق على زيد وبكر ومحمد .. كل شخصٍ يصدق عليه: من الذي عندك؟ إذًا: حصل العموم، صار اللفظ من حيث الدلالة صادقًا على غير محصور، وهذا وجه العموم، أما الجواب فلا يخصِّص هذا اللفظ.
(وَمَا فِي غَيْرِهِ) ما سواءً كانت شرطية أو استفهامية.
(فِي غَيْرِهِ) يعني: في غير العاقل، تستعمل في الجمادات ونحوها.
{نَحْوَ قَوْله تَعَالَى: (( مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ ) )، (( وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأَبْرَارِ ) )} (( وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأَبْرَارِ ) )ما هذه موصولة وليست شرطية.
{وَتَقُولُ فِي الاسْتِفْهَامِ: مَا الَّذِي عِنْدَك؟} يقال فيه ما قيل فيما سبق.
قال: {وَاسْتِعْمَالُ مَنْ فِيمَنْ يَعْقِلُ وَمَا فِيمَا لا يَعْقِلُ شَائِعٌ. قَدْ وَرَدَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَكَلامِ الْعَرَبِ} .
هذا هو الشائع وهو الغالب.
{وَقِيلَ: تَكُونُ مَا لِمَنْ يَعْقِلُ وَلِمَنْ لا يَعْقِلُ فِي الْخَبَرِ وَالاسْتِفْهَامِ} .
يعني: قد تستعمل من لغير العاقل، وقد تستعمل ما في العاقل. وهذا وارد لكنه على قلةٍ، ولذلك نقول: من للعاقل في الغالب .. الأعم، إلا إذا جاء استعمالها فيُنظر فيه لمعنى أو لنكتة ونحو ذلك.
وَالصَّحِيحُ الأَوَّلُ يعني: أنها لا تخرج من عن العاقل ولا تخرج ما عن غير العاقل.
والصواب: أنه قد تخرج، لكنه على قلة، ولذلك قال تعالى: (( فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ) ) [النساء:3] ما هذه قال: لغير العاقل، وهنا للعاقل ولا شك.
إذًا: استُعملت هنا وإن قيل بأن المراد هنا الصفات، لكن الأصل فيها الأشخاص.