هذا الأول والثاني أولى، وهو أن نجعل"كلاًّ"على بابها؛ لأنها أقوى صيغ العموم، فلا يصرفها شيء البتة، ولذلك لا تحتمل إلا العموم.
وأما أل فهذه ليست دائمًا لإفادة العموم، ولذلك مر معنا أنه إذا كان ثم عهدٌ بينك وبين شخصٍ ما في"رجال"، إذا قلت: جاء الرجالُ. لم تفِد العموم؛ لأن أل هذه عهدية.
إذًا: ليس كلما جاءت أل أفادت العموم.
حينئذٍ أيهما أقوى؟ نقول: كلٌّ أقوى في إفادة العموم من أل؛ لأن أل ليست مطلقة في العموم، وما كان كذلك فحينئذٍ يبقى الحفاظ على كل، ونؤول ما يقبل التأويل وهو أل، فنجعله لبيان الحقيقة، وهذا أظهر.
قال هنا: {فَهَلْ الْمُفِيدُ لِلْعُمُومِ الأَلْفُ وَاللاَّمُ وَ"كُلٌّ"تَأْكِيدٌ، أَوْ اللاَّمُ لِبَيَانِ الْحَقِيقَةِ وَكُلٌّ لِتَأْسِيسِ إِفَادَةِ الْعُمُومِ؟ وَالثَّانِي أَظْهَرُ} أظهر من الأول.
قال: {لأَنَّ كُلاًّ إِنَّمَا تَكُونُ مُؤَكِّدَةً إِذَا كَانَتْ تَابِعَةً} . وأما إذا كانت مبتدئة لا تأتي مؤكدة لما بعدها.
ثم وجهٌ آخر: أن أل محتملة للعموم وغيره يعني: مطلقًا، وكل لا تأتي كذلك، بل هي أصرح صيغ العموم وهي أقوى فتبقى على أصلها.
{وَالثَّانِي أَظْهَرُ لأَنَّ كُلاًّ إنَّمَا تَكُونُ مُؤَكِّدَةً إذَا كَانَتْ تَابِعَةً} وهذا أظهر وهو المقدم.
ومن الفوائد: {أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ دُخُولِهَا عَلَى الْمُفْرَدِ وَالْمُعَرَّفِ. نَحْوَ قَوْله تَعَالَى: (( كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِبَنِي إسْرَائِيلَ ) )، وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَما مِمَّا هُوَ فِي مَعْنَى الْجَمْعِ الْمُعَرَّفِ} . يعني: الطعام والطلاق.
{مِمَّا هُوَ فِي مَعْنَى الْجَمْعِ الْمُعَرَّفِ؛ حَتَّى تَكُونَ لاسْتِغْرَاقِ الأَفْرَادِ لا الأَجْزَاءِ} .
وسبق أنها إذا أُضيفت لمعرفة مفرد أنها للأجزاء، وهنا للأجزاء أو من قبيل الكلية؟ من قبيل الكلية.
كيف نوجه ذلك؟ قال هنا: أنه ليس من دخولها على المفرد المعرّف كل الطعام.
يعني: ليس كل الطعام كقولك: كل الجارية حسنٌ، وكل زيدٍ جميل، وإن كان زيد والجارية مفرد معرفة، والطعام في اللفظ مفرد معرفة؛ لأن الطعام هنا في قوة قولك: النساء، الذي مر معنا، أنه في معنى الجمع.
حينئذٍ يكون من قبيل الكلية لا من قبيل الكل.
{لَيْسَ مِنْ دُخُولِهَا عَلَى الْمُفْرَدِ الْمُعَرَّفِ. نَحْوَ قَوْله تَعَالَى: (( كُلُّ الطَّعَامِ ) )} يعني: الطعام ليس كـ: كل زيدٍ حسنٌ، وإن كان زيد مفرد معرفة، وإن كان الطعام مفرد معرفة، إلا أن زيد حسنٌ أو جميل .. كل زيدٍ جميل هذا من قبيل الكل لا من قبيل الكلية، وهنا ليس من قبيل الكل وإنما هو من قبيل الكلية.
إذًا: يترتب على ذلك أن الطعام هنا وإن كان مفردًا في اللفظ إلا أنه في المعنى جمعٌ. كل الأطعمة وكل الطلاق .. أنواع الطلاق.
ولذلك قال: {حَتَّى تَكُونَ لاسْتِغْرَاقِ الأَفْرَادِ لا الأَجْزَاءِ} .
الفائدة الأخيرة وهي أهمها: {أَنَّ مَحَلَّ عُمُومِهَا إذَا لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهَا نَفْيٌ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهَا} .
يعني: بشرط .. أنها تفيد العموم إذا لم يتقدم عليها نفيٌ.