{وَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ الأَلِفَ وَاللاَّمَ فِي الأَجْنَاسِ لِلاِسْتِغْرَاقِ} إذًا: هذا لا يتصور في أهل العلم وإنما يتصور في عامة الناس؛ لأن الأعراف إنما تكون في الأصل في عامة الناس.
{وَلِهَذَا يُنْكِرُ أَحَدُهُمْ أَنْ يَكُونَ طَلَّقَ ثَلاثًا} . إذا قيل له: أنت طلقت؟ قال: لا. لم أعني الطلاق الثلاث وإنما عنيت واحدة.
وَلاَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ طَلَّقَ إلاَّ وَاحِدَةً. فَمُقْتَضَى اللَّفْظِ فِي ظَنِّهِمْ وَاحِدَةٌ، فَلاَ يُرِيدُونَ إلاَّ مَا يَعْتَقِدُونَهُ مُقْتَضَى لَفْظِهِمْ. فحينئذٍ يَصِيرُ كَأَنَّهُمْ نَوَوْا وَاحِدَةً.
وَلأَنَّ الأَلِفَ وَاللاَّمَ فِي أَسْمَاءِ الأَجْنَاسِ تُسْتَعْمَلُ لِغَيْرِ الاِسْتِغْرَاقِ كَثِيرًا لكن هم لا يعلمون ذلك {كَقَوْلِهِمْ: وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى الطَّلاَقِ} . يعني: على جنس الطلاق.
{وَإِذَا عَقَلَ الصَّبِيُّ الطَّلاَقَ} . يعني: معنى الطلاق وجنس الطلاق.
{وَأَشْبَاهُ هَذَا مِمَّا يُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ وَلاَ يُفْهَمُ مِنْهُ الاِسْتِغْرَاقُ} . الذي هو العدد.
حينئذٍ يُحمل على عدم الاستغراق، فيكون العرف مخصِّصًا، أو إن شئت قل: النية هنا تعتبر مخصصة للفظ فلا يُحمل على عمومه؛ لأن اللفظ وإن كان في الأصل هو عام .. مفيد للاستغراق، إلا أنه عارضه عُرفٌ أو نية .. هذا أو ذاك.
{إِذَا تَقَرَّرَ هَذَا: فَلا يُحْمَلُ عَلَى التَّعْمِيمِ إِلاَّ بِنِيَّةٍ صَارِفَةٍ إِلَيْهِ، قَالَهُ فِي الْمُغْنِي. وَهَذَا الأَصَحُّ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ الإِمَامِ أَحْمَدَ رحمه الله تعالى وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ يَعُمُّ فَتَطْلُقُ ثَلاثًا} والأول هو المعتمد.
{وَنَحْوَ: وَاَللَّهِ لاَ أَشْتَرِي الْعَبِيدَ يَحْنَثُ بِوَاحِدٍ} . لو اشترى واحدًا حنث.
قال: {يَحْنَثُ بِوَاحِدٍ قَالَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ وَغَيْرُهُ} .
إذًا: هذه قاعدة مفيدة جدًا فيما سبق: إن عارض الاستغراق -يعني: اللفظ العام- في أصله يُحمل على عمومه، لكن عارضه عُرفٌ أو احتمال تعريف جنسٍ. يعني: لم يرد به الأفراد، وإنما أراد به الماهية كقوله: الطلاق يعني: حقيقة الطلاق.
قد يقال: لماذا إذا جعلناه للجنس نوقِعه بواحدة؟ نقول: لأن الجنس لا يوجد في الخارج إلا في ضمن فردٍ، فلا يتحقق إلا بوجود واحدٍ. كما مر معنا في"افعل"هل تدل على التكرار أو لا؟ قلنا: على الصحيح أنها للماهية، لكن المرة الواحدة من ضرورياتها.
يعني: لا يمكن أن يوجد الفعل في الخارج إلا بمرة واحدة، كذلك هنا الطلاق لا يوجد إلا بمرة واحدة.
(وَإِنْ عَارَضَ الِاسْتِغْرَاقَ عُرْفٌ أَوِ احْتِمَالُ تَعْرِيفِ جِنْسٍ لَمْ يَعُمَّ) . والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!